قراءة في "كتاب الغائب" لصاحبه عبد الفتاح كيليطو

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

حسن ابراح




عبد الفتاح كيليطو:

 من مواليد 1945، الرباط، كاتب وروائي وناقد مغربي، كتب العديد من الكتب باللغتين العربية والفرنسية، كما كتب في مجالات أخرى كالدراسات الإسلامية، درس بكلية الآدب والعلوم الإنسانية بالرباط التابعة لجامعة محمد الخامس، ناقش على دكتوراه دولة في جامعة السربون الجديدة سنة 1982، في موضوع السرد والأنساق الثقافية في مقامات الهمداني والحريري. يعمل كيليطو أستاذا في كلية الآدب التابعة لجامعة محمد الخامس، الرباط، أكدال منذ 1968، كما أنه درس في عدة جامعات أوروبية وأمريكية (جامعة بوردو، جامعة السربون الجديدة، جامعة هارفارد)، ترجمت أعماله إلى لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، كم حصل على مجموعة من الجوائز، كجائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والآدب لسنة 2023، وجائزة الأكاديمية الفرنسية مرتين، 1996، و2024.


دراسة في مقامة الحريري

بدأ الكاتب عبد الفتاح كيليطو كتاب "الغائب" بمقدمة افتراضية، حيث توقف عند العتبات الأولى للمقامة، منها العنوان وبداية المقامة، ويفترض مروية أحداثها في وقت محدد، وهو الليل، لأن هذه الفترة ترتبط بالخداع والمكر والكذب، أما النهار فهو موصول بالصدق، واستشهد بقول الجرجاني، وأبيات لابن المعتز لتأكيد هذه الفكرة، حيث وجد تشابها بين ابن المعتز وما جاء في مقامة الحريري، وذلك لأن كلاهما يسمر مع القمر. رغم عدم وجود السمر في الأبيات التي استدل بها الكاتب لابن المعتز، لكن كلاهما يتضمن حديثا ليليا مع القمر، سواء الجماعة في مقامة الحريري، أو الشاعر وحده. القمر يسبب الأرق حيث يقتل النوم ويفرض السمر لذا فالسمر مثيل للحلم، لأن كلاهما يدعو للاسترخاء. ولأن السمر مرهون بالليل، والليل هو موطن الخرافة، فالسامر يبقى حديثه منتميا إلى الخرافة والحكاية العجيبة، كما هو الحال في قصة "ألف ليلة وليلة" التي لا تمثل فيه شهرزاد إلا تلك الثنائية السابقة الذكر.

والملاحظ أن فن المقامات تعرض لدراسات عديدة، لكن كيليطو له طريقته التي تميزه عن كثير من الباحثين في قراءة التراث العربي القديم عامةً، وفن المقامة خاصةً. وقد ظهر هذا التميّز مبكرا في كتابه "المقامات: السرد والأنساق الثقافية" وهو في الأساس أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه.

بعد المقدمة التي قدم فيها الكاتب نبذة عن المقامات بشكل عام والمقامة الكوفية للحريري بشكل خاص، بدأ في الفصل الأول المعنون "بالعنوان والثريا" بدراسة العنوان كنقطة بداية للمقامة.

يتكون كتاب الحريري من خمسين مقامة، والمقامة الكوفية، هي المقامة الخامسة من هذا الكتاب، والشق الثاني من العنوان نسبة إلى مدينة الكوفة، وهذا لأن من خصائص أغلب المقامات حمل اسم المدن في عنوانها، ويذكر الكاتب أن المقامة تحمل ذكريات الماضي وشوق المستقبل، أي أن المقامات الأربع الأولى تحدثت عن الماضي.

نجد نفس العنوان عند الزمان الهمذاني، في مقاماته التي تحتل أيضا من كتابه المرتبة الخامسة، إلا أنه لم يذكر الرقم، أكتفى فقط بذكر الكوفية. كما أشار الكاتب إلى بعض ما اتجه إليه الكتاب في المقامات الأربع الأولى لأن لها ارتباط ببعض الأشياء التي سيتحدث عنها، وختم بمدى تأثر الحريري بالهمذاني.

   في الفصل الثاني بدأ كيليطو بفتق خيوط المقامة، حيث يصف ما يقصد الحارث بالفقرة الأولى، أي الليلة التي تتصف بمزج بين لونين أسود وأبيض، وهذا لافتقارها للوضوح والصراحة وعدم استقرارها على خلق واحد. لا يبتعد الكاتب عن الفكرة الأولى وهي القمر وذلك بتقديم أمثلة عن الشك في مزاجية الليل، المتمثلة في ثنائية الصدق والكذب والحية المشقوقة اللسان التي أغوت آدم وحواء، رغم عدم وجود ما يحكي على الحية في المقامة.

يطرح الكاتب جملة من الأسئلة عن الشكوك التي تراوده مذ السطر الأول من المقامة، وكيف لا يتوقف عن هذا وهو القائل: "لا ينبغي استبعاد المفاجآت عند التحليل" السؤال عن اللجين، والتعويذ.

ويرى أن لا شك فيما شبه به التعويذ هو القمر، لأن التعويذ هو رقية يرقى بها الناس من الجن أو الفزع، والقمر قوامه المحاكاة، هو بمثابة قوة تقي السامرين من الأذى. 

الجماعة الساهرة لم يذكر لها نسب إلا راويهم الحارث بن همام، فهم يتصفون بالصفاء والشفافية والأحادية والأدب، عكس ما اتصفت به الشخصية الوهمية التي ستقتحم جوهم (أبو زيد السروجي)، وما اتصف به الليل (الازدواجية) المحيط بهم، حيث أن صفوهم مهدد بالليل، وفتنة الخرافة التي قضوا وقتا طويلا وهم يسمعون لها. 

انطلاقا من عبارة "استهوانا السمر" كان مأتى العنوان، حيث أن ما يبعث السهر والحديث الليلي هو القمر، بحجة أن بعد انحجاب هذا الأخير لن يبقى شيء سوى النوم.




يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن غرب الهلال، ومجيء البديل، الذي هو أبو زيد السروجي، يتصف هذا الأخير بالصفات التي يتصف بها القمر، كعدم استقراره على حال واحد، يتغير في كل شيء كلامه سلالته لغته، وجنسه أيضا (يتحول إلى حيوان)، وعلى وجه الخصوص الكلب؛ أي أن أبا زيد لا يستقر في حالة واحدة، بل يتقمص العديد من الأدوار، وهكذا يشبه الكاتب هذه الشخصية بالقمر، لأنها تشبه القمر في شكله، ولأن أبو زيد وصف نفسه بأنه منحنيا ومعوجا من فرط الجوع، وتشبهه في كلاهما يظهر بالليل، إلى أنه يماثله في كل شيء حتى في التعويذة (الرقية الحافظة)، حيث أن قوله: "يا أهل ذا المغنى وقيتم شرا، ولا لقيتم ما بقيتم ضرا"  يدل على أنه يدعو للسامرين أن يحفظوا من الأذى، كما أن القمر كان رقية تصد الأذى.

عنون الكاتب هذا الفصل بالخلابة، معناها ما وشم به الفصل الثاني؛ أي الاستهواء أو الخداع بالقول اللطيف، وتدل على أبي زيد السروجي الذي خالبهم ببلاغة كلامه ما أدى بهم إلى الأستاذان له بالدخول، شبه الكاتب بلاغته تلك بالبرق، أي علم السامرين من خلال كلامه الصفات الحميدة التي يتسم بها والبلاغة، وكذلك البرق أيضا يبشر بالمطر، إذ أن البرق لا يتبعه المطر دائما، ما حمل الكاتب إلى ازدواجيته، وغموضه.

ما أكد عليه هنا هو أن فكرة عدم الثقة في المطر بحجة أنه ليس دائما يفي بوعده، تنطبق على كلام السروجي أيضا لأنه قد يخلب ويخدع.

بدأ كلام أو بلاغة السروجي تعطي مفادها من الخداع، وكعادة مفارقته التي تقوم على إظهار الشيء مقلوبا، يحاول إنجاز الهداية في صورة التضليل، حيث استطاع أن يسيطر على الأوضاع ويتفرد لوجبة العشاء وحده دون الجماعة، وذلك فقط بتظاهره بنصحه وشفقته، واهتمامه بسلامة الجماعة.

أكد الكاتب في هذه الجزئية على العلاقة الكامنة بين السرد والأكل، وبين السمر وأكل الليل.

كعادة المقامة فالحارث دائما يعرف أبا زيد، بحكم العلاقة القديمة التي بينهم، لكن دائما ما يتظاهر بعدم التعرف عليه إلا بعد بلوغ نهاية المقامة، عكس القارئ الذي يتعرف على أبي زيد قبل الحارث. لكن هذه الرواية تنطبق في القارئ الذي قرأ الفصول الأربع الأولى، أو المهتم بفن المقامة.

وصف أبا زيد بأنه شبيه بالحية ذات اللونين، التي لا تملك بيتا خاصا بها وإنما تتخذ بيت الحيوانات الضعيفة بيتا لها، في حين أبي زيد ذو لونين مختلفين الشعر والنثر، الذي يستعمل كل منهما عند الحاجة إليه ما يجعل منه شخصا بليغا؛ أي ما يؤكد على مماثلة السروجي والهلال، بل أكثر من ذلك فإنه ناب عن القمر بعد أن اختفى، وأخذت الجماعة تفكر في النوم، حتى جاء القمر الأرضي الذي سيؤدي بها إلى سمر آخر.

في هذا الفصل يكشف لنا الكاتب أبوة الهمذاني، وتحدي الحريري له حيث أننا نجد أن مسار المقامة دائما ما ينتهي عندما ينكشف البطل، كما هو الحال في مقامة الهمذاني، التي تنتهي بمجرد كشف عيسى بن هشام على الاسكندري.

 يقلدها الحريري في قسمه الأول، لكن في القسم الثاني سيحاول تجاوز الهمذاني بنية الفوز في السباق، حيث سينحو منحا آخر، ما أدى إلى طول وتعقيد مقامته على مقامة الهمذاني، وعادة انتهاء المقامة بكشف البطل، فمقامة الحريري تضيف قسم ثاني وهو بعد كشف البطل، يأتي كشف خدعته. قسم الكاتب مقامة الحريري إلى قسمين، أما الأول فيتحدث عن المحاكاة، محاكاة الحريري للهمذاني، لينحو في القسم الثاني إلى سلك طريق جديد وحدة.

السرد دائما ما يكون المتلقي هو الذي يطلبه، كما هو الحال في هذه الحكاية، التي يطلب فيها الحارث باسم الجماعة من أبي زيد السرد، لذا انتقل بنا الكاتب لقصة أخرى قصة "ألف ليلة وليلة"، حيث هي الأخرى التي يكون فيها السرد بناء على طلب من الملك شهريار، وكذا كليلة ودمنة.

تحدث الكاتب عن العلاقة التي تجمع بين الخرافة والسفر والسمر، حيث حصر القرابة بين السمر والسفر في مستوى الدال ومستوى المدلول، كما ذكر أهمية السرد في الخرافة التي تستدعي الغرابة، لأن التشويق دائما ما يوجد في الحكاية التي يكون محتواها يتضمن الغرابة والعجابة، وإلا فإنها لن تستحق الروي.

ذكر قصة "ألف ليلة وليلة" وغيرها من الحكايات العجيبة التي نجد فيها نوع من الغرابة، استدعاها الكاتب من أجل المقارنة، حيث حكاية أبي زيد تختلف عن هذا النوع من الحكايات، يتضح لنا ذلك في المسافتين الزمنية والمكانية، إذ تعتمد حكاية أبا زيد على الزمن الماضي القريب والمكان (الكوفة).

اكتسى الباب في هذه المقامة صبغة رمزية، لأنه حمل ازدواجية الداخل والخارج، ازدواجية الوقاية من الشر وانفتاح على الغرابة والخداع.

ذكر مصدر المعرفة المختصر في مصدرين لا ثالث لهما، العيان والخبر، وانطلاقا مما قدمه أبو زيد فالأفضلية للعيان وذلك لاعتماده على التجربة والمشاهدة المباشرة، ولأنها تحمل مسألة صدق الراوي، في حين الخبر دائما يحتمل الصدق أو الكذب وغالبا يتعلق بمدى صدق الراوي، هل هو راوِِ صادق أم لا.

 إذا كان أبو زيد قال عن حكايته " لقد بلوت من العجائب ما لم يره الراؤون، ولا رواه الراوون"، فلم يقله عبثا، بل لكيلا ينكشف خداعه منذ الوهلة الأولى، وذلك لانتسابه هذه الحكاية للقضاء لأنها تثير الاندهاش الذي سيوقظ الشك لدى المستمعين، كما أنه يروي الأحداث التي شارك فيها، ولعب فيها دور البطل.

بدأ الكاتب بالدخول إلى أغوار المقامة الخامسة، تحديدا صورة أبو زيد أمام باب الحارث، وقدم نفسه متعدد الصور: ابن السبيل، أخو سفار.  دفعه إلى ذلك التوق إلى الدخول للدار لأنها هي التي ستسد حاجاته، ستحوله من حالة الجوع إلى حالة الاكتفاء، هي التي ستستريحه من التعب الذي تركه يستعين بالعصا، وبالضبط كما وقع للسندباد ولأديب، الذي سمي بهذا الاسم لانتفاخ رجله.

كما نجد مماثلة ضمنية بين أبو زيد وأم موسى، تتجلى هذه المماثلة في أن أبا زيد تخلى عن ابنه، كما تخلت عن موسى أمه.

يعتبر الكاتب الإشارة إلى قصة إبراهيم نقطة انطلاق وتساؤل، والبحث عن العلاقة المشتركة بين قصة إبراهيم وحكاية أبي زيد، المرصودة في التشابه الذي بين إسحاق وإبراهيم عليهما السلام وأبي زيد وابنه، وأشار الكاتب أيضا إلى أن أبا زيد وابنه وحدهما من يستعملان الشعر والنثر في الحديث، بينما الحارث وصحبه يكتفيان بالنثر فقط.

كما يثير فضول الحارث وصحبه بلاغة وكلام أبي زيد، وكما يثير فضول الاخباريين الذين تتبعوا نسب الشعراء لغناء أشعارهم، أثار فضول أبو زيد أيضا عندما التقى مع ابنه زيد الذي يتهرب من نسبته.  

سأل أبو زيد الفتى عن اسمه قاصدا الاسم الذي يروي له قصة النسب للفتى لأنه أعجب بخطابه، إلا أنه لاحظ في حديثه أنه يكتفي بذكر أن له أبا؛ أي بصيغة المبني للمجهول، أما ما يعرف عنه كل شيء هي أمه برة، وهي نفسها التي سردت له قصة أبيه.

تحدث الكاتب في هذا الفصل عن العلاقة بين الكتابة والحية، لكن ومن الوهلة الأولى تسأل الكاتب عن الحية، عبر عنها: أين هي إذن الحية الرقشاء؟، بحيث أن الحارث وصحبه أحضروا دواة وأقلاما ثم كتبوا حكاية أبي زيد.

كما استدعى هذا الحديث أيضا العلاقة بين الكتابة والقول، باعتبار الكتابة تنوب عن القول، وأنها فقط تنوب عن الحفظ؛ أي يوحي كل هذا أن القول هو أب الكتابة لأنه دائما يأتي في المرحلة السابقة للكتابة، ويماثل هذا في حكاية أبي زيد أن مضيفه لم يكتبوا شيء إلا بعد مشافهته. تحدث الكاتب عن حالة خاصة التي تعكس ما رأيناه فيما يخص الكتابة؛ أي تتحرر من تبعية القول تسمى هذه الحالة الألعاب الكتابية، ونجد ذلك يتجلى في مقامات الحريري "رسالة قهقرية"، التي تعتبر رسالة دائرية، لأن بدايتها هي نهايتها ونهايتها هي بدايتها.

تحدث الكاتب في فصل سابق عن عدم جرأة أبي زيد للكشف عن هويته لابنه، وذلك لأنه لا يملك ما سيد به جوعه، كما هو معروف فالحكاية لا تروى إلا بالمقابل، سواء كان مباشرا أو غير مباشر.

والهدف من حكاية أبو زيد السروجي كان واضحا، من خلال سرده وما دفعه إلى عدم التعرف على ابنه، لكنه عمل على خفيته وإبراز نفسه، لأنه لم يطلب من الحارث وصحبه شيئا انما اكتفى بسرد الحكاية التي جعل منها نداء موجها لهم، ما دفعهم إلى منحه المال (عشرين دينارا).

تجاوز أبو زيد وضعية الإملاق إلى الكفاف، وذلك أن الحارث وصحبه أصبح من الواجب عليهم أن يقدموا شيئا له، لأنهم هم من طلب منه أن يروي لهم الحكاية، كما أن في داخل هذه الحكاية نداء لابد لسامعيه من الاستجابة له، ولم يضع أبو زيد لحكايته نهاية لأنه رغم إدراك الحارث وصحبه الطابع النهائي لها على أيديهم، فأبي زيد لم يتعرف إلى ابنه بعد.

تنبني المقامة منذ بدايتها على التعارض بين الشمس والقمر، ويؤكد الكاتب في هذا الفصل على غلبة الشمس للقمر، حيث بمجرد طلوعها تبدد كل شبهة، وماثلها هنا أبو زيد بالشيب (دوائب الليل)، حيث أن الشعر الأسود ينهزم أمام الشيب، كما ينهزم الليل أمام الصبح، واستدعى الكاتب الأبيات الشعرية القديمة التي تصور الصبح غالبا الليل، ويفر هذا الأخير كما سيفر أبو زيد قبل أن تجده الشمس التي لا تقبل يحل أحد مكانها، لكن أبي زيد رغم أنه يعلم أن خدعته ناجحة إلى حد ما، إلا أنه يخشى أن تنكشف.

انطلق الكاتب في هذا الفصل بالتساؤل، عن لماذا لم تنتهي الحكاية عند تسليم أبي زيد للنصاب، أي عندما حصل على المال (عشرين دينارا)، وحصوله على ما يسد به رمق جوعه (العشاء مقابل أبيات من الشعر)، لذا أشار إلى أن المقامة لها عنصر ختامي وأساسي وهو التعرف، رغم ما تباين في القسم الأول منها، عندما تعرف الحارث عن أبي زيد من خلال بلاغته بفضل السراج. لذا فطلب الحارث من أبي زيد أن يرى ابنه زيد، ليس لأنه يشك في وجوده لكن لأنه يريد أن يرى فتى متقد الذهن وخبير القول، إلا أن طلب الحارث قابله الحارث بالضحك الممزوج بالبكاء، كعادة ازدواجية أبي زيد في المقامة، ويؤكد الكاتب من خلال ذلك أن حكاية أبي زيد حسبها الحارث حقيقة، رغم أنها في نهاية الأمر هي خدعة من خدع أبي زيد.

وكدا ذكر امتزاج الشعر والنثر في المقامة، وذلك من خلال ذكر أبو زيد الأصمعي والكميت، وكان ما سار به إلى ذكر هاذان الشاعران، هو الافتخار ببلاغته، كما سبق وأن ذكر قدرته وتفوقه على غيره في الإبداع، واعتداده بنفسه فسره الكاتب بمهارة أبي زيد وبراعته في فنون القول، كما أشار الكاتب إلى تجلي ازدواجية أبي زيد في أنه لا يمدح نفسه إلا بإدانتها، لأن الاعتراف بالذنب بحد ذاته عند أبي زيد هو مدعاة للفخر وليس مدعاة للخجل.

كعادة بعض الفصول في الكتاب ينطلق الكاتب من سؤال، السؤال الذي ربما يراود القارئ منذ بداية الكتاب، وهو من يقوم بالسرد في المقامة الكوفية؟ لذا سلط الكاتب الضوء على الرواة الذين ذكروا في الحكاية، أو الحكايات الموجودة في الكتاب، إضافة إلى الحديث عن الحريري مؤلف المقامة.

ومن خلال فتق الكاتب للرواة، يتبين أن الحكاية يظهر فيها أكثر من راويين، لذا قام بذكرهم بتفصيل، حيث نجد بعد أبي زيد بطل الحكاية، والحارث راويها، هناك من ينقل إليه أبو زيد الحديث، ابنه الذي هو الأخر يستدعي لنا أمه برة، واعتمد في ذلك السياق، الذي سماه بالموقف السردي.

جاء أيضا في هذا الفصل حديث عن الحافز الذي من أجله يسرد لنا الحارث، الذي توقف فيه عند الجمع؛ أي أن الحارث يسعى إلى جمع ما جاء به أبو زيد، وذلك أنه يتبعه خلال خمسين مقامة، إلى أن أدى به المطاف في النهاية إلى التوبة، كما أشار إلى العلاقة بين أبي زيد والحارث، حيث يتشبهان لأن الحارث يحكي لمخاطبه، كما أبي زيد يحكي له ما جرى له، لأن أبي زيد كان قد طلب أن تدون حكايته، لذا فالحارث هنا يشبه الرواة الذين كانوا يحفظون القصائد أمثال حماد الراوية. أما علاقة هاذان الرأيين بالحريري، فهو يصرح بأن الحارث بن همام هو صاحب الحكاية، ونسب الأشعار والخطب والأحاديث إلى بطلها أبي زيد.

  ختم الكاتب كتابه "الغائب"، بالحديث عن غلاف الكتاب، وعن تفسير للصورة والأشخاص المنقوشين عليها، كما بين أهمية الصورة ولمستها بالنسبة للنص.


تعليقات

عدد التعليقات : 0