حرية... حتى إشعار آخر

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



فاطمة الزهراء حبيدة - طالبة باحثة بسلك الدكتوراه-جامعة القاضي عياض- مراكش 


عندما نتحدث عن الحرية، دائما ما يتبادر لذهننا حرية التعبير، اللباس، وغيرها من الأمور المحيطة بحياتنا اليومية، واختياراتنا البسيطة، التي نكون في مواجهتها بشكل يومي: هل سنستقل الحافلة أم سيارة أجرة؟ هل سنرتدي البدلة البيضاء أم إطلالة رمادية تليق ببرودة شهر فبراير؟ هل نجيب عن الاتصال أم نغض الطرف عنه؟ وهكذا، إلى أن يصبح الاختبار الأصعب عندما ننتقل من اختيارات تبدو بسيطة إلى أخرى أشد تعقيدا: السياسة، الاقتصاد، تغيير محيط العمل أو الدراسة، أو اتخاذ قرار الانفصال عن علاقات غير مريحة، في هذه الحالات يزداد الأمر تعقيدا تُصبح الحرية قيدا ومسؤولية تطوق أعناقنا، تتطلب منا تحمل تبعات وردود فعل الآخرين، وعبء التبرير، تجعلنا في وضع الطوارئ وحالة تأهب قصوى، وبين إقناع أنفسنا والآخرين بأحقية ممارسة وضعنا الطبيعي والبديهي ألا وهو اختيار ما يناسبنا بكل حرية، لكن لماذا نختار عدم تفعيل هذا الحق، هل لأننا اعتدنا المؤلم المألوف أم لأن المجهول يخيفنا؟ 

كل هذه الحالات سابقة الذكر تذكرنا بممارسة حريتنا بشكلها البسيط، في اختياراتنا الحياتية واليومية، لكن حدة اختبار الحرية تشتد وتأخذ منحى آخر، عندما تتعلق بمجالات أعمق ولها تأثير قوي في مسار حياتنا. فماذا عن اختياراتنا السياسية، محيطنا الاجتماعي، هل نترافع عنها ونختارها بنفس المنطق، بنفس التعبير والسهولة، أم نختار الانسحاب منها تفاديا للمسؤولية أو ربما كي لا نؤدي تلك الفاتورة الباهظة، التي قد تكلف خصومة، عداوة، ضياع مصالح مهنية، وتضعنا هذه الأسئلة الحارقة أمام إشكال حقيقي ألا وهو هل نطالب بالحرية لنمارسها؟ أم لنضعها على الرف حتى إشعار آخر؟ كنوع من الارتياح الداخلي أو لكي نستشعر أننا قمنا بالواجب دون ممارسته؟ 

ماذا لو كنا نمارس بساطة الاختيار في تغيير لون شعر، أو مقهانا المعتاد، بنفس الاختيارات التي تبدو في ظاهرها صعبة لكن في باطنها تخلصنا من الكثير من الارباك، لماذا نقيد حريتنا باشتراطات ثقيلة كالتوقيت المناسب، الشعور المتوافق، المحيط الداعم، كأننا ننتظر الضوء الأخضر لنعيش حقيقة بديهية، ونتجاهل ذلك الشعور اللحوح بداخلنا الذي يذكرنا بأن نمارس حريتنا وفطرتنا السليمة. 

لكن كل هذه التعقيدات سالفة الذكر، تؤكد أن تعاملنا مع "الحرية" كأسلوب حياة طاله التشويه كثيرا، فغالبا ما نربط الحرية بمفاهيم في غير سياقها، أو نسقطها من وهجها اللماع ونختزلها في نطاق ظالم أو لا أخلاقي، ويرجع ذلك للخوف من المسؤولية بالدرجة الأولى، فهل نحن فعلا ضحايا عدم استفادتنا من الحرية، أم نملكها ولا نجرأ على ممارستها؟ أحرار في الهامش، وخاضعين في المركز، حيث لا يمس التعبير لا سلطة ولا بنية، ولا مركز القرار، أو حتى التراجع بمنطق التخويف أو إثارة مشاعر العار، كلها تجعلنا منحصرين في وهم الوقت المثالي، الاستعداد المؤجل، والمواجهة المشروطة، وفي الأخير نتساءل مع أنفسنا هل نملك الحرية أم هي من تملكنا؟ 

تعليقات

عدد التعليقات : 0