دور الشباب المثقف في صناعة الوعي الجديد

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



عدنان حودة


يُعَدُّ المثقف في كل مجتمع ضميراً حياً وفاعلاً تاريخيا يسهم في تشكيل الرؤية الجماعية للمستقبل. وإذا كان الماضي قد شهد أدواراً ريادية للمفكرين والزعماء الإصلاحيين في إيقاظ وعي الشعوب بغض النظر عن مرجعية هذا الوعي أو ثقافته، فإن واقع اليوم يضع على عاتق الشباب المثقف مسؤولية مضاعفة، حيث توضع على عاتقه مسؤولية صناعة وعي جديد يتلاءم مع تحديات العولمة، والتحولات الرقمية، والأزمات الاجتماعية والأخلاقية.

من هنا يطرح السؤال الجوهري: ما الدور الذي ينبغي أن يقوم به الشاب المثقف في صياغة وعي جديد لمجتمعه؟ وكيف موجه شابا قادراش على انتاج وعي متكامل الأركان وذو مرجعية ثقافية رصيتة تتقدم بالمجتمع دون الوقوع في دائرة لا نهائية من المعضلات الأخلاقية؟

أولاً: الشاب المثقف كقوة نقدية

لا بد من الوقوف الجاد على هذه النقطة، وذلك لوضع قاعدة عامة تساعدنا على تدعيم الفكر النقدي لدى الشاب: "المثقف الحقيقي لا يكتفي باستهلاك الأفكار الجاهزة، بل يعمل على تفكيك المسلمات وكشف التناقضات التي تعيشها مجتمعاته."
فدوره الأساس هو تحرير العقول من القيود التقليدية، ومواجهة أشكال التزييف الإعلامي أو الخطابات الشعبوية التي تُكرّس الجهل والقضاء على رمزية الجمال في العالم.
إضافة إلى أن سعي الشباب المثقف إلى لعبهم دور الإنتاج الفكري بدل التقليد، يساعده في الإجابة عن تساؤلات مجتمعه وإيجاد حل جديد لمشاكل إنطلاقا من وعيه هو (بصفته رائدا للوعي الجديد)، دون أن يعود لذلك المخزون القديم المستهلك من الأفكار، وإلا فإننا سنقع في دوامة أخرى من التكرار الدائري، لهذا فإنني أتشبث بهذا الرأي بقوة.

ثانياً: الشاب المثقف كجسر بين التراث والحداثة (لا بد من بوصلة تقينا من الضياع)

إن من أبرز ما يميز الشاب المثقف هو قدرته على الجمع بين الأصالة والمعاصرة في آن واحد. فهو ابن بيئته وتراثه، ولكنه أيضاً ابن عصره الذي يعيش في عالم متسارع الإيقاع، متشابك القيم، متداخل المرجعيات الثقافية والأحكام الأخلاقية التي لم تعد من منطلق العقل كما يدعى في الغرب، بل أصبحت من منطلق التي الرغبة تلوي عمق العقل لتبرير ما هو غير أخلاقي دون الرجوع إلى مرجعية واضحة. ومن ثمّ فإن وظيفته التاريخية تكمن في أن يكون جسراً معرفياً وروحياً بين الماضي والحاضر، بين ما ورثه من رموز وقيم، وما يعيشه من تحديات وتغيرات.
الشاب المثقف لا يتعامل مع التراث باعتباره كتلة جامدة، ولا مع الحداثة باعتبارها نموذجاً جاهزاً، بل يتعامل معهما معاً بروح نقدية خلاقة. فهو يستخلص من التراث ما يمدّه بالقوة والهوية، وفي الآن نفسه يتبنى من الحداثة ما يغنيه بالأدوات والمعارف الكونية. وكما قال المفكر المغربي محمد عابد الجابري: "التراث ليس أن نحمله كعبء، بل أن نحاوره ليستنطق الحاضر ويفتح آفاق المستقبل". ومن هنا، فالمثقف الشاب يحرس التوازن الصعب بين الوفاء للجذور والانفتاح على الأفق الإنساني الرحب.

ثالثاً: الشاب المثقف وصناعة وعي جماعي جديد

إن صناعة الوعي الجديد ليست مهمة فردية معزولة، بل مشروع جماعي يقتضي انخراط الشاب المثقف في معارك الفكر والحرية والعدالة، وهو واجب على كل من حمل على جبينه لقب "الشاب المثقف"، وهو اليوم يمتلك أدوات لم تكن متاحة لأسلافه: الكتابة الإبداعية، السينما، الموسيقى، الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تتيح له بناء خطاب بديل يقاوم ثقافة التفاهة ويزرع بذور الأمل.
ولذلك، فإن وعيه لا يُقاس بمدى ثقافته الفردية فحسب، بل بمدى قدرته على تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية يحولها إلى خطاب متعدد الأبعاد تلامس قضايا الناس على اختلافهم واختلاف توجهاتهم،. أرى شخصيا، أنه من الخطأ أن يقوم الشاب بتأسيس الخطاب البديل بدءا من  المتشابهات داخل المجمتع وحدها، وذلك لاعتقادي أن المجتمع اليوم لم يعد تعريفا لتلك المجموعة من الناس التي لها نفس الثقافة والمرجعية والسلوكيات، فالمجتمع اليوم بات حاملا لمجتمعات أخرى داخله، وتلك المجتمعات تميل غالبا إلى عدم الإعتراف بالآخر كرد فعل وجودي على الرفض الاجتماعي الذي يمارسه جيل الآباء والأجداد، مما يسد باب الحوار والتعارف خصوصا لدى الشباب الذي انفتح على المرجعية الخاطئة، أرى أنه  حان الوقت الذي فيه يجب البدء بالإختلاف في بناء خطاب جديد يراعي جميع أشكال الثقافات داخل المجتمع، - طبقا لهوية ثابتة طبعا - وذلك لأني أرى أنه يجب تغيير الفعل للتغيير ردة الفعل، وإذا كنا قديما نتحدث عن التشابه، فعلينا الآن التحدث عن الإختلاف ثم يمكننا البحث في القضايا التي تجمعنا بعد ذلك، وهنا سيتمكن الشاب من الخوض في مواضيع كالحرية والأخلاق والعدالة وحقوق الإنسان والتنمية دون أن يكون محصورا ددفي وعي أحادي - ولا أقصد هنا بأنني أنادي بوعي مركب، فهذا سيوقعنا في تناقضات كثير، لكنني أعني وعيا منفتحا ينطلق من هوية صحيحة ومرجعية ثابتة تسمح لنا بقبول التعدد الثقافي دون إقصاء الآخر، وإلا فسنقع في مشكلة الفعل ورد الفعل التي ذكرناها سابقا.
 إن "الوعي الجديد" المنشود ليس وعياً جزئياً أو نخبوياً، بل هو وعي نقدي، متضامن، وإنساني، يسعى إلى تجاوز الانقسامات الهوياتية الضيقة نحو أفق كوني يؤمن بالكرامة الإنسانية كقيمة مطلقة. وهنا نستحضر قول إدوارد سعيد: "المثقف هو من يقول الحقيقة في وجه القوة، ومن يرفض أن يكون تابعاً أو صدى لأحد".


رابعاً: التحديات التي تواجه الشاب المثقف

غير أن الطريق أمام الشاب المثقف محفوف بالصعوبات. فهو يواجه أولاً تهميشاً مؤسساتياً، حيث تُقصى الأفكار الجادة من مراكز القرار والفضاءات الرسمية والجامعات والمعاهد. ثم يواجه ثانياً هيمنة الخطابات السطحية على الفضاء الرقمي من قبل الصحافة الصفراء، مما يجعل صوته النقدي مهدداً بالذوبان وسط ضجيج التفاهة والإثارة. وثالثاً، لا يمكن إغفال الإغراءات المادية التي قد تُبعده عن رسالته الفكرية، حيث يتحول بعض المثقفين الشباب إلى أدوات في خدمة السلطة أو السوق. وأخيراً، يعاني من غياب فضاءات للحوار الحر داخل الجامعات ووسائل الإعلام، وهو ما يحاصر المبادرات الفكرية ويُضعف أثرها المجتمعي.
ومع ذلك، فإن التاريخ يشهد أن الشاب المثقف كان دوماً شرارة التغيير. فقد لعبت الحركات الطلابية والشبابية، في المغرب والعالم، أدواراً محورية في صياغة الوعي السياسي والاجتماعي، وفي إطلاق الثورات الفكرية التي أعادت تعريف علاقة المجتمع بذاته وبالعالم. وهذا ما يجعل مسؤوليته اليوم أعظم من أي وقت مضى، لأنه مطالب بأن يواصل مسيرة النقد والبناء، وأن يتحول من مجرّد شاهد على التحولات إلى فاعل في صناعتها.


خامسا: الشاب المثقف والفعل السياسي

لا يقتصر دور الشاب المثقف على المجال الفكري أو الثقافي، بل يمتد ليشمل المجال السياسي أيضا، حيث يصبح صوته ضرورة في معركة بناء تسيير شؤون المجتمع وإصلاح المؤسسات. فالمجتمع الذي يفتقد لمثقفيه الشباب يتحول بسهولة إلى فضاء يُدار بمنطق القوة والمصلحة، بينما المجتمع الذي يُنصت لمثقفيه يفتح المجال أمام عقلانية نقدية تُوازن بين سلطة الدولة وحرية الفرد، والتاريخ أحسن من يعرض أمثلة عن هذه الثنائية
الشاب المثقف، بحسه النقدي وإيمانه بمسؤوليته، هو المؤهل ليكون حارساً للوعي الجديد، يفضح الفساد، ويدافع عن الشفافية، ويؤمن بأن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، بل مشروع حضاري يهدف إلى تحقيق العدل وصيانة الكرامة الإنسانية. وهنا نستحضر قول المفكر الفرنسي ريمون آرون: "وظيفة المثقف ليست أن يحكم، بل أن ينير دروب الحكم".

إن الشاب المثقف اليوم ليس شاهداً محايداً على زمن التحولات، بل هو فاعل حضاري يملك القدرة على تفكيك البُنى التقليدية وإعادة صياغة والوعي بما يتلاءم مع متطلبات الحاضر. مسؤوليته تتجاوز التنظير إلى الانخراط العملي في الفضاء العمومي: في الجامعة، في الإعلام، في المجتمع المدني، وفي الدفاع عن مشروع سياسي عادل. وبذلك يغدو المثقف الشاب هو القلب النابض لوعي جديد، يحرر العقل من التبعية، ويربط بين الحرية والكرامة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0