فَتَاة ..! - محمد عبدوس

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 




                         

وقت أصيل … حوالي العاشرة … كنت أتسكع وسط المدينة لا ألوي على شيء ، وأنا أمشي مشيتي وأتيه تَيْهاً ، كل شيء بحضور كوني غريب ، وسط سماء مضيئة بِأَلْقَ السحائب البيضاء ، جمال مُكْتَس بالكآبة ، لم يهبط من الشمس شعاع واحد غير أن البرودة كانت وَانِيَّة محتملة ، وبِجُرْأَة لا تُعْوِزُنِي وضعت السماعات وهممت أسمع ، ثم اندفعت وسط جمهرة من الناس إلى العبور دون أن ألتفت يمنة كما ينبغي لي ، بَيْدَ أنّ الطريق يعاني من أزمة زحمة … الكل ينتظر الباص صباحاً عند المحطة الخارجية ، وَثَبْتُ واقفاً في زاوية مسروقة من رفاهية الدنيا ، مُتَهَلِّلَ الوجه ، حَادَّ البصر ، نابت شعر اللحية ، بشوش الوجه ، واضح الرجولة ، ذو أخيلة واسعة وشخصية كثيرة ، لا أحد يقف بجانبي غير نفسي المتعبة وكتابي الذي لا يَنْفَكُّ يفارق إِبْطِي ، أَطَلْتُ الرَّنَا لوجوه كثيرة تمثل الأجناس ، وفي لحظة انْزَلَقْتُ ببصري فَصَادَفْتُهَا تنظر نحوي في شيء .

! لعمري ! هِيَ … منفصلة عني تماماً ، أراها من بُعْدٍ قريب ، إنه جِذْعُهَا ، ليس شبيهاً بها ولا توأم لها ، تلك بذلتها … وذلك حذاءها ، ترتدي معطف طويل كُحْلِيٌّ ، وتنتعل حذاء بلون أسود غامق منخفض الكعب ، يتناسب مع هندامها ، بشرتها بِضَّة بيضاء ، وعلى كتفها حقيبة جلدية صغيرة فارغة تَتَدَلَّى وسط ضوضاء الحشد ، تتطلع لمستقبل به كل شيئ … تَلُفُّ حول شعرها شاشاً بُنِّيّ فاتح وبِيَاقَة تغطي العنق ، عادة ما تضع على رأسها نظارة شمسية ذات إطار بُنِّيّ ، بدت بالنظارة مثقفة ، عند الإبتسامة ترسم غَمْزتَانِ في وَجْنَتيْهَا ، بديعة تَانِكَ العينان اللوزيتان " تلك عيونها أم غزالة ، أم أصل كل غزالة في عينيها " … كانت تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّر رِجْلاً ، فهي تدخل في تصنيف الجميلات بلا أي جدال ، في عُنُقهَا تلمع سلسلة من الذهب … ماهي إلا فتاة ! أحياناً ترفع يدها فقط لتُزيح خَصْلَةً من شعرها التي بدت على جبهتها ، إنسانة كالدمية يجعلك تخشى النظر لوجهها .

كنت منفرداً بنفسي غَاصّاً في جو أَبِيّ بأنفاس البشر ، في لحظة رفعت يدها تحية باتجاهي … باسمة عن أسنان بيضاء ، ونسمة عليلة من نسمات الجو تداعب جمالها الصارخ ، ارتسم الإهتمام في صفحة وجهها الناصع البياض عندما أقْبَلْتُ عليها بثبات ، وقفنا نترامق مَرْفوقاً بصمت تَجَلَّى فيه صوت الأنفاس المترددة ، صَمَتْتُ مَلِيّاً لأجمع شتات أفكاري ، ثم هممت أُنَفِّسُ عما في صدري ، في بادئ الأمر أردت أن أقع على كلمة أصل بها الحديث ، فقلت وأنا أَتَصَفَّحُ وجوه العمارات والسابلة : " ما أجمل شمس هذا اليوم وما أصفى سماءه ؟ حَدَجَتْنِي بنظرة حنان وقالت بحزم : " حماسك جميل " . 

رأسي شهد حواراً مما دفعني إلى مزيد من الجرأة ، تتجلى أمامي مثل ملاك تَتَدَثَّرُ بسحابة بيضاء تعبق بعطر الدين والخلق ، كان لابد أن أبدأ متعلقا بآخر خيط … عَالَنْتُهَا برغبتي … متوخيا الصدق في الأمور الجوهرية ، كالشاعر الذي يختار كلمات ، حروف صُنِعَت من خيوط روحي لا موقع لها من الإعراب ، وبعدما لَكَزَتْنِي بكوعها ، أحْنَتْ رأسها الرشيق مؤمنة على قولي وقالت : " الناس…الناس…التعليقات " .

وفي تلك اللحظة هبَط عصفور أخضر في حجم تفاحة حتى حَطَّ على منكبي ، قَرَّبَ منقاره الوردي من أذني فَبَدَا هذا مُنْصِتاً ، لا يتحرك قَيْدَ أَنْمِلَة ، بعد ذلك أَصْخَيْنا السمع لتغريد الطيور ثم قالت وهي تُدَاري ابتسامة : " تُشكَر ، أرى أنه مادامت النية الطيبة متوفرة ، أَبْشِر" ثم طار العصفور في الفضاء حتى تَوَارَى خلف السحاب الأبيض ، مُذْ رَقَّتْ ومضت في التلاشي ، كأنه رسول من السماء مُلَفَّع بثوبه السحابي ، وفي لحظة مضت في خطوات كأنها مشتركة في سباق المشي ، وقفتُ أتبعها بعيناي حتى وَارَاهَا الشارع … وهكذا ذهبتُ نحوها بوجه ذابل وعدت بكل ورود الأرض .

                                                      

تعليقات

عدد التعليقات : 0