مقال : كلثوم إدبوفراض
تأتي على الإنسان ظروف تعصره حد
الليونة و الخضوع لقرارات هو لم يمنحها كبير الأهمية و المبالاة، قرارات اتخذت على
وجه السرعة بالرغم من اتخاذ وقت لا بأس به من التفكير، لكن بينه وبين نفسه بعد
فوات الأوان يجد مصدرها انفعالي غير قائم على العقل يليه الشعور بالندم.
و هناك نوع آخر من القرارات التي
لم نكن طرفا فيها، لأننا لم نكن وقتئذ على أرض الوجود، كنا مجرد فكرة أو رغبة
عابرة قيد التنفيذ، سيتم إشباعها بين طرفين، وحصيلتها هذا القرار الذي يكون بتأثير
من ظروف واحتياجات وأولويات (مجتمعية) طارئة.
أنت هو حصيلة ذلك القرار، بالرغم
أنك لست طرفا فيه، عندما يتفق اثنان بإنجابك، وأنسنة رغبتهم (رضا المجتمع بالدرجة
الأولى)، وإحضارك إلى هذا العالم.
فمن طغيان الأنوية (اللاواعي) عند
الآباء اكتنافهم ذلك الإحساس بجعل أنفسهم يفكّرون عن أبنائهم، يقررون في مصيرهم،
ليصل الحدّ في تحديد الطريقة التي يجب أن يفكروا بها، معتقدين أنهم مجرد أطفال لا
تسعهم إمكانياتهم الفكرية تحمّل تدبير شؤونهم، حتى في ما يحبون القيام به، يضعون
الأمر بين أيديهم في اختيار ما يلبسونه وتوجيه ميولاتهم العاطفية أو المعرفية أو
الجمالية أو الابداعية.. حسب مزاجيتهم، وخاصة الأم، فقط لكونها منحته الحياة تسعة
أشهر في أحشائها، الأمر الذي لا يمكن إنكار تقديره ويتوجب امتنانه وهذا مما لا شكّ
فيه أو الاختلاف فيه، لكن إنسانياً لايعطيها الحق في أن تمنح نفسها المشروعية
الكاملة في السيطرة وشلل وجود ذلك/تلك الطفل(ة) بقية حياته(ا) من طفولته(ا)
ومراهقته(ا) وزواجه(ا)، وظيفته(ا) حتى اختيار اسم مولوده(ا).
ويعزى هذا السلوك (اللاواعي)
انعكاساً وجودياً متستّراً خلف ممارسة هذه الأمومة، حقيقة وبكل واقعية فهي تخدم
غرض حاجاتها النفسية (سادخانا المرأة)، لتضمن وجودها في الأسرة والاعتراف
بإنسانيتها داخل محكمة المجتمع، وفي أحيان أخرى، لكي يستمر حب زوجها لها و إثارة قليلا
من إنتباهه، فهي تستنجد بذلك الطفل على وجه السرعة لإنقاذ عش الزوجية المتهالك
عاطفيا الآيل للسقوط، و ترميمه على حساب هذا المخلوق الصغير لمجابهته لهذا العالم
الكبير، الذي لو اختير للنزول إليه، أعتقد جازمة أنه لن يفعل.
من جهة أخرى، من منا في مرحلة معينة من الطفولة لم يتعرض للضرب و التربية
المتوارثة من أجيال قبل جيل الوالدان، ثم بحر العقد النفسية الغائص فيها أحدهما أو
كلاهما ليشكلوا ثنائيا متناقض معرفيا، و عندما يحس بتأنيب الضمير يسحبك الى حضنه
ويغدقك بالقبلات والأحضان، ليبرر ضربه لك بأنه من خوفه عليك وحبه لك لاشعوريا قام
بذلك، ويقوم بتبرير عدم استقراره الانفعالي الذي لا يطاق ويساعده في ذلك
"المجتمع" لتصبح سلوكات "أبوية" مشروعة بحق الطفل.
أتذكر ملياً، عندما كنت طفلة صغيرة
في 12 من عمري، حدثت حالة اختفاء لفرد من العائلة في أحد الأسواق الشعبية، كان
برفقة والدته، بينما كانت منشغلة في محل للأثواب، الطفل ضجر وتعب من التجول من محل
إلى آخر، ليقرر الرجوع الى البيت لوحده بعد قطعه لمسافة لا بأس بها و شارع كبير
تمر منه السيارات جيئة وذهابا.
بينما التفتت الأم، لاحظت غيابه
بدأت تصرخ و تسأل و تقدم مواصفاته لمن مر من أمامه، لكن دون جدوى، خلال عودتها
للبيت لتجده والخوف مسح ملامحها، و بعد لقائه اتجهت باهتياج لمعاقبته على فعلته،
وهو الأمر الذي حيّر ذهني وقتئذ، كيف أنها خائفة من فقدانه، و عند إيجاده تصبّ
جامّ غضبها عليه إزاء تصرفه العفوي كطفل، هذا التصرف المخيف الذي أشهد فيه تقلبات
فجائية في شخصية الأم، لم تكن سوى تفعيل المشاعر المختلطة الواحدة الغير الثابتة.
كنداء استغاثة للآباء من طفولة
متعبة و مقهورة، لا تجعلوا جملة " أبي ضربني لأنه يحبّني" قاعدة في
أسلوب تربية أطفالك، فهي طريقة ملتوية ومخادعة وغير شريفة تقدمها لطفلك يبني عليها
شخصية عاجزة وغير حقيقية سيعاني منها محيطه، وهو ما سيثير خوفا من نتائج عقد نفسية
وسلوكات شاذة متراكمة تصل عتبة الإنفجار التي يُخشى الإفلات من عقالها.
نجد أن الآباء بسبب تربيتهم التي
يحيطها عمى إدراكي، مما يتكوّن لديهم نوع من اللاشعور العاطفي والحرص، فالأول يكشف
عدم قدرتهم أو (جهلهم) على توجيه عواطفهم نحو أبنائهم بشكل سليم، ما يمنح لهم نوعا
من العلاقة العاطفية السوية والصحية بأطفالهم، بحيث تكون الغاية، هي إشباع تلك
العاطفة من الأطفال بتملّكهم عاطفيا والتحكم في أهواءهم و طابعا اقتحاميا في
سلوكهم وتربيتهم لأبناءهم، وهو ما يستجيب و يوافق توقعاتهم من ذلك الطفل، في تحقيق
ما لم يحققوه في طفولتهم أو تفريغ كل ما مورس عليهم من آبائهم بنفس الطريقة،
اعتقادا منهم أنها التربية المقدّسة التي لا تقبَل التحريف و التجاوز.
فأما الحرص، فهي من المشاعر
البسيطة الأكثر تعقيدا بالحقيقة، عندما تكون المشاعر قوية ومستعصية تصبح حرصا
(جوستاف لوبون)، فالحرص صادر عن مشاعر شديدة كالحب والتملك والخوف على الطفل،
وتمركز الطفل حول والديه فقط.. هذه المشاعر تؤدي بهم إلى ما يسمى بالحرص، وتأثيره
يبطل المشاعر السابقة، فالطفل إذا أحس بالحرص الشديد من والديه ومنعه من ممارسة
هواياته المفضلة بذريعة الخوف عليه وأنهم يحبونه، فهو لا شك في أنه سيضجر، وتتجه
تلك العلاقة من مستوى الحب إلى مستوى تنازلي نحو النفور.
طفلك حرّ في مسؤولية مصيره، كل ما عليك هو خلق حوار مثمر معه، احترام آراءه و
منحها أهمية، لأنه يعي جيدا ما يجري من حوله، و خلق جو صحي و متوازن يسوده الحب و
الإصغاء لحاجياته النفسية والعاطفية قبل الطبيعية، و اختيار أسلوب تربوي يجمع بين
الصرامة و التساهل، أي بين البينين، كما توجيهه من خبرتك في الحياة التي لا يمكننا
أن ننكر أنها لن تفيد، فهي معرفتك السابقة التي سيحتاجها لبناء خبرات جديدة
ببصمته، وخاصة به، يوجه بها أطفاله لاحقا دون أن يطغى هو الآخر على أطفاله.
هناك نوع من الاحترام الذي يلفّه قدر كبير من الخوف، كاحترام الأطفال لوالدين
متسلطين ومتحكمين، لكن دون أن يحبّونهم بمقدار ذرة، لا أعتقد أنها العلاقة التي
تنشدون إليها مع أطفالكم ؟