المرأة بين الأمومة والإبداع: سر إستمرار الحياة

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



 

يوسف البيض   


في رحاب اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف ثامن مارس من كل سنة، نقف بإجلال أمام المرأة، ذلك الكائن الذي لم يكن يوما ظلا للحياة، بل كان نورها الخفي الذي يضيء دروبها، فهي ليست مجرد حضور في هذا العالم، بل هي جوهره العميق. منها تبدأ الحكايات، وبها يستمر نبض الوجود، المرأة أم قبل كل شيء، أم تحمل في قلبها عالما من الحنان، وفي روحها صبرًا لا ينفد، في صمتها تربية، وفي تعبها بناء، وفي دعائها حماية خفية لأبنائها، هي التي تسهر حين ينام الجميع، وتقلق حين يطمئن الآخرون، لأنها ترى في أبنائها امتدادًا للحياة نفسها، ومن بين يديها يتشكل الإنسان، وتولد القيم الأولى التي تصنع مجتمعًا متماسكًا وأمةً قادرة على النهوض.

‎لكن المرأة لم تكن يومًا أسيرة هذا الدور وحده، فقد خرجت إلى فضاءات الفكر والإبداع، حاملة معها حسّها الإنساني العميق. فكانت أديبة تُنصت جيدًا لنبض الحياة، وتحوّل تجاربها ومعاناتها وأحلامها إلى نصوص تنبض بالجمال والصدق، كتاباتها ليست مجرد كلمات، بل مرايا تعكس روح الإنسان، وتكشف ما تخبئه الحياة من معانٍ خفية، وفي الشعر، أطلقت المرأة صوتها العذب الذي يفيض إحساسا وصدقًا. كانت شاعرة تُغني للحب والأمل، وتبوح بالألم حين يثقل القلب، قصائدها ليست مجرد أبيات تُقرأ، بل عوالم من المشاعر التي تمس الروح وتوقظ الوجدان، لقد استطاعت أن تجعل من القصيدة بيتا للروح، ومن الكلمة جنحًا يحلق بالإنسان نحو آفاق أرحب، ولم تتوقف هنا بل واصلت فكانت المرأة كاتبة تحمل القلم بثقة ووعي، فتخط به قضايا المجتمع وهموم الإنسان كتبت عن الحرية والكرامة والعدالة، وعبّرت عن آمال الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل. لقد كان قلمها أداة بناء، ووسيلة لإشعال نور المعرفة في العقول.

‎وهكذا تظل المرأة رمزا للعطاء الذي لا ينضب، وقصة متجددة من القوة والجمال، فهي الأم التي تمنح الحياة معناها الأول، والأديبة التي تمنح الفكر عمقه، والشاعرة التي تمنح الروح أجنحتها، والكاتبة التي ترسم بالكلمات ملامح الغد.

‎إن المرأة ليست مجرد صفحة في كتاب الحياة، بل هي الكتاب كله؛ فيه تبدأ الحكايات، ومنه تُكتب فصول المستقبل. ولذلك فإن الاعتراف بفضلها ليس مجاملة عابرة، بل هو اعتراف بحقيقة إنسانية كبرى: أن الحضارة التي لا تكرّم المرأة، إنما تنسى أحد أهم أسباب وجودها وتألقها.

تعليقات

عدد التعليقات : 0