عدنان حودة
بعد صراع طويل، وبعد إلقاء نظرة نقارن فيها بيها بين المختلفات عبر الزمن، لا بد أن نلاحظ جدلية الإفراط والتفريط في كل شيء. فهناك من تقبَّل التجديد برحابة صدر لتُغريه فكرة الحداثة، وهناك من قبل التجديد في الشعر العربي ببعض الخجل. نستدعي هنا رأي الناقد خليل جهشه بقوله: إن الشعر في توجهه نحو الحداثة لا بد أن يكون مربوطًا بحبل التراث القومي، فيجره وينبّهه كلما سار نحو التميع والخضوع.
فألا يمكن أن يكون هذا الارتباط بالتراث القومي أشبه بقيد قد يحدّ من التوجه نحو الحداثة، أم أنه ليس إلا محاولة خجولة لكي يستعذر التقليديون رفضهم للتجديد؟ وهل يمكن أن نكون قد أخطأنا في تجرُّئِنا على التجديد، وأننا أسأنا فهم ما نُظِم قديمًا بذريعة الحداثة؟
حبل التراث هذا يكمن في ضرورتين، وهما ازدواجية الاختلاف والائتلاف. وبمعنى متداول بسيط، فإن الانسجام مع المختلف لا يجب أن يكون دون تمسك بالمبدأ، وإلا فإنه معرض للتبخر. وهذا ما ذكرناه سلفًا أنه التفريط. في الجانب الآخر، فإن التمسك الرافض للدخيل والمتموج يجعل الحركة متحجرة، يرمي بها الزمن في آخر ركن مظلم من ذاكرة المتأخرين في التاريخ. من هنا، فإن فكرة الناقد عمومًا تفيد بأن الحركة الشعرية العربية الحداثية لا بد أن تكون لها أصول تلعب بها في مرمى الاختلاف والائتلاف.
ولأن العناد أفضى بنا إلى أن نرمي بأنفسنا في هذا الجدال، نعيد التفكير في إمكانية أن يكون هذا الارتباط نوعًا من القيود التي قد تحدّ من التحديث الشعري العربي. فهل نحن أصلًا لا نحتاج إلى بوصلة في عالم يتقلب فيه الجنوب إلى الشرق والغرب إلى الشمال، في الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية؟ نصرّح هنا أن هذا التجديد دون ركن رصين قد يكون مؤديًا إلى الضياع، كما في قول الشاعر:
وُلِدْتُ بَيْنَ أُناسٍ لَسْتُ أعرِفُهُمْ
أنا القَديمُ وَعَصْري عَصْرُ أجْدادِي
أُحِسُّ أنَّ وُجودي هَا هُنا خَطَأٌ
لا الأرْضُ أرْضي وَلا الميلادُ ميلادِي
هنا نرى أن الشاعر لا يشعر بأي ارتباط نحو القديم، من ميلاد وأرض وأجداد. ولعل استخدامه كلمة "أُحِسُّ"، التي تدل على الإدراك فوق الشعور، يوحي بالضياع في جميع المستويات، وجدانًا ومادةً. وهنا نستنتج أن الشاعر بفقدانه استشعارًا لمخزون التراث يحول دون التمسك بالهوية. ولنضع في الاعتبار أن الشاعر هنا حالة فردية فقط، فما بالك إن كان هذا الإحساس جماعيًا فتُربّى عليه أجيالنا؟
في حدود هذه الفكرة، نصل إلى استنتاج أن هذه الدعوة إلى الارتباط بالأصالة لم تكن عذرًا خجولًا لأننا نخشى التجديد. فالتجديد ليس خطأ، كما سنتطرق لاحقًا، لكنه لا بد أن يرتكن إلى نقطة بداية كلما شارفنا على الضياع. ولعل هذا الخيط الرقيق الذي يربطنا بتراثنا هو من يُنسب له الفضل في تداول اللغة العربية حتى الآن.
نعرج هنا إلى مساءلة ذواتنا، ومراجعة موقفنا في اختيار التجديد وإساءة فهمنا لما نُظِم قديمًا. نقول إنصافًا: إننا لم نُسئ الفهم طرفة عين لما نسميه الركن الشديد والبوصلة المرشدة، وهي التراث العربي الشعري القديم، أمثال المتنبي وقيس وأبي نواس. لكن نقول بغير تحفظ أيضًا: إن للمغريات شؤونها، فنحن رغم اعترافنا بتمحور جديدنا على قديمنا، فإن النفس الجماعية البشرية لا تطيق صبرًا على التقيد بالقوانين عبر التاريخ. فحتى الدين، الذي هو مُسَلَّمة القومية العربية، قد تعرض لجدلية الحداثة والأصالة، شأنه شأن كل شيء، كما قال الشاعر:
سَلْ أصحابَ الدَّعْوَةِ عَودَةَ أسْلافِنَا
كمْ أفْتَى الرَّجُلُ في الدِّينِ وَتَشَدَّدَا؟
فَلَمَّا مَرَرْتِ عَلَيْهِ بِظِلِّ شَعْرٍ مُنْسَدِلٍ
قَالَ: حَقًّا لَيْسَ لِلدِّينِ أَنْ لا يَتَجَدَّدَا!
هنا نشير ترميزًا إلى أن المغريات في الانسجام مع الآخر لا بد أن تفرض قوتها حتى على المفرط في التشدد، وإنما ذلك مسألة وقت يحتاجه التاريخ ليتم غايته، وهي التقدم.
نستنتج أخيرًا أن حركة التحديث العربية في الشعر لا بد لها من بوصلة تُرسل السفينة في بحر الحداثة، وأننا نتغير رغبةً لا إجبارًا، بسبب كل ما يغرينا في الآخر.
نختم هنا بسؤال مفتوح يُقَوِّمُ المصلحة في المراجعة والتنظير: هل يأتي إلينا زمنٌ ننسى فيه أصالتنا، ونقع في جدل آخر حول التشبث بالشعر في سياق الضياع، أم التخلي عنه بذريعة تقطع جميع الخيوط التي تربطنا بأصولنا فنصبح أمة لا يُعترف بماضيها ليحتقر حاضرها؟
