كتابة: أحمد خضر أبو إسماعيل
لم تتوقفْ حدود الثورة الشعرية على الأوزان والقافية، وكأن فكرة هدم القصيدة الكلاسيكية بكل أبعادها تحولت إلى هاجس يؤرق الشعراء المُعاصرين، منَ المؤكد أن هذه الرؤية الحداثية لم تكنْ وليدة الفراغ بل هي نتاج تراكمي لمحاولات التجريب الشعري بهدف تفكيك القيود والقواعد الشعرية التي أمست بمثابة سلاسل معدنية قيدت الإمكانيات الإبداعية لدى الشعراء.
" صورة يابسة للماء " ثورة على الكلاسيكيات
و عليه ذهب العديد من النّقاد إلى اعتبار القصيدة الكلاسيكية لم تعد قادرة على احتواء البوح الشعري ، حيثُ تحولت البنية الشعرية الكلاسيكية إلى قالب نمطي مكرر لدرجة أن أفق التلقي لدى القارئ بات محدوداً و متوقعاً ، و من هنا وجدنا عزوف الشعراء عن كتابة الشعر و وجدوا في السرد الروائي مساحة أكثر اتساعاً و على سبيل المثال لا الحصر نذكر الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي التي اعتبرت أن الإبداع الأدبي ليس مرتبطاً بحالة فنية واحدة ، و سيراً على ذات القاعدة وجدنا الروائي السوري جان دوست يفرد مساحات أوسع للكتابة السردية .
وطبعاً لا يمكننا أن نعتبر هذه النقلة النوعية في المشهد الثقافي العربي هو نهاية للثورة الحداثية في عوالم القصيدة العربية بل هناك شعراء حملوا على عاتقهم خوض التجربة رغم صعوبتها، بل امتدت ثورتهم لصناعة تغييرات جذرية في الصنعة الشعرية.
ولعل أبرز الشعراء المُعاصرين الذي خاضوا غمار هذه التجربة المتميزة، الشاعر السوري لُهام عادل حبوب، لُهام الذي له من أسمه نصيب حتى في سياق تجربته الشعرية فهو الذي حَمل شغفه في ثورته الشعرية ليضع بين أيدينا ديواناً شعرياً يتجاوز فيه كل الخطوط الحمراء الكلاسيكية تاركاً لنا عنوان يحمل طابعاً مُغرياً للقارئ " صورة يابسة للماء " ألصادر عن منشورات دائرة الثقافة في الشارقة.
![]() |
| الكاتب السوري أحمد خضر أبو إسماعيل |
المُتناقضات سمة بارزة في العتبات النصية
" صورة يابسة للماء " نجح لُهام في صياغة عنوان مُغاير عن المألوف ، يحمل دلالات تمنح القارئ فضولاً ليغوص في قراءة النصوص الشعرية ، فلم تتوقف رغبة الشاعر في إبراز موهبته في الكتابة وحسب بل أختار رمزاً سيميائيًّا يحمل في أعماقه دلالة على حالة التناقض والتضاد في النفس البشرية ، و كأنه ثبت الزمن من خلال الصورة و جعل اليابسة و الماء انعكاساً يحمل القارئ إلى عالم شعري هادئ ، فلم تكن النار نقيض الماء كحالة كلاسيكية بل اليابسة وكأن القصيدة حالة تكامل بين النقائض وليست حالة تنافر وفق القاعدة الشهيرة الضد يُظهر جمال ضده ، فلولا وجود اليابسة لم يعرف الشاعر ـالذي أختار تجاوز بحور الشعر ـ حلاوة الماء .
الدلالات الرمزية في الصورة الشعرية
لم يكن استخدام الرمز في الديوان وفق قواعده النمطية، بل كان الرمز يتجلى في إعادة تشكيله في قوالب حداثية لتصنع حالة من التجديد، فمن يقرأ القصيدة يستطيع أن يرى نفسه بين السطور لتخرج القصيدة من عباءة الذاتية إلى أفق أوسع يشعر القارئ من خلاله أنه جزء من النص، ويتجلى ذلك في قصيدة " صورة يابسة للماء ".
الوِحدةُ
تنسِلُ روحي خيطًا خيطاً
من جسدي
حتى تَتعرَّى
لمْ يرتَقْ عورتَهَا الشَّفَّافةَ لي أحَدُ
وكأنِّي -في بلدي- غُرْباتٌ
خِيطَتْ في قلبي
أوْ أنِّي في كُلِّ حَنِينٍ
-مَزَّقَني مُدُنًا-
بَلَدُ(1)
استطاعت القصيدة أن تبرهن بأن صناعة الرمز الشعري من المُحال أن تكون في قالب جامد ، فتحويل المعاني إلى حالة مادية أكسبت الدلالات الرمزية بُعداً جديداً ، فلم يكن الحنين في القصيدة ضيفاً ثقيلاً يل كان احتواء للغربة المكانية احتواء للغربة المكانية ، ونجح لُهام في تحويل مسار المسافة بين اللغة و دلالتها ، حيث نرى الروح المعنوية شيئاً مادياً مهلهلاً يُغطي الجسد لا يسكنه ، وهذا ما جعل الحنين بدوره يرتقي من حالته الشعورية ليتحول إلى عامل مؤثر على الواقع المادي ، ونستنتج من هذه الصور الشعرية أن القصيدة لم تعد أسيرة اللغة بل أن الشاعر يطوع المعنى في متوالية من الصياغات اللغوية التي تخدم مشاعره خلاف القاعدة اللغوية التي كانت تجبر الشاعر على الإتيان بمفردات محدودة للوقوف على قافية و وزن واحد للقصيدة.
الأنثى ترقص على أنغام القصائد
استطاع لُهام أن يضيء نجمة جديدة في سماء الرومانسية فصنع من الأنثى في متن القصائد حالة من التمرد أيضا، فالحب لم يصلنا فقط في حالته الأفلاطونية، بل جاء مزيجاً من المشاعر، وهذا ما يمكن اعتباره تفرداً في إعادة توليد المعنى الشعري، فالأنثى لم تكن الحبيبة وحسب بل هي الأم والأخت والصديقة والجارة، في كل سياق كانت القصيدة ذات وزن يُلامس شغاف القلب وينقل القارئ إلى عوالم جديدة لم يصل إليها أحد وجاء ذلك واضحاً في قصيدة " كُن"
للحبِّ خاصيَّةٌ ليستْ لغيركِ يا..
أنْ يظمأَ الماءُ
أنْ تُكوى النيارينُ
أو أنْ تُعَرَّى المعاني
من حقيقتها الأولى
ويخصِفَ من مَعنَاكِ تكوين(2)
وهنا نلمح أدوات فنية جديدة في التعبير تتماشى والسياق الشعري للديوان ، فجاءت صورة الأضداد في أعمق حالاتها وكأن للحب تأثير مُختلف على اللغة ، فلم تعد مهمة الشاعر رسم صورة فنية وحسب بل تجاوز المعنى التقليدي للصور الفنية و منحى القصيدة روحاً تهمس لنا بأن هناك تفكير خارج الصندوق، فالإستحالة في رصد المعنى تمنح المعنى تكريساً في ذهن القارئ ـ أن يظمأ الماء ، أو أن تكوى النيارين " فيه من المستحيل ما جعله ممكناً في خيال الشاعر والقارئ على حد سواء ، فكأن نفي الشيء في البنية الشعرية هو سبيلٌ غير مرئي لا يدركه سوى شاعر أختار أن ينهج طريقاً مُختلفاً و قارئ أختار أن يتتبع أثر القصيدة.
في الختام
ليس من العدل أبداً أن نُحاكم الشعراء على ثورتهم، فهناك الكثيرون لا يزالون مؤمنين بأن الشعر هو مجرد كلام موزون ومقفّى، إلا أن الحقيقة هي خلاف ذلك تمامًا، فلم يعد بمقدور القصيدة أن تكون في حيز ضيق ولم يعد بمقدور الشاعر أن ينتزع روح الإبداع من قصائده ليضعها في قوالب جامدة، فالحرية في الكتابة جعلت النص يتجاوز حالته الكلاسيكية ليتحول إلى روح شكلتها الجملة وتنفست الصعداء في المعنى.
(1) ديوان صورة يابسة للماء / لُهام عادل حبوب / دائرة الثقافة في الشارقة / ٢٠٢٤ / ط١ / ص8
(2) نفس المصدر / ص89

