الفلسفة ومسار التحضر

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

كمال أحميش (أستاذ مادة الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي)


كمال أحميش

 

نحتاج إلى الفلسفة أكثر من أي وقت مضى، لا فقط بوصفها معارفا متراكمة، بل بوصفها تجارب وجودية قائمة بذاتها، بوصفها دروسا تمتد عبر التاريخ في شموليته، تجعل الربط بين الماضي والحاضر ممكنا، بل واستشرافَ المستقبل. لا أقول نحتاج إلى فيلسوف بعينه، لا أطالب بإعادة نمط من تفكير معين، بل أطالب بالفلسفة في مبادئها الكبرى، الفلسفة بوصفها صوتا للعقل، الفلسفة بكونها مُثلا عليا، قائمة على نبذ كل أشكال العنف والتطرف. إننا بحاجة أكثر إلى الفلسفة في ظل عالم جديد محكوم بالاستيلاب والاغتراب، عالم تتنامى فيه الفوضى على حساب العقلانية، عالم الإرهاب والتطرف، عالم تقتل فيه الحياة باستمرار، وتتوسع في المقابل دائرة البؤس والمرض. إننا نحتاج إلى نيتشه جديد، نحتاج إلى إرادة قوة تجعلنا ننفتح على حياة مليئة بالألم، ونعلم من خلالها حقا أن الضربة التي لا تقتل تقوي. إننا نحتاج إلى رواقية محدثة، من خلالها نفهم أن العالم غير مهيأ على مقاسنا، إنما تشكل تجارب البؤس جزءا لا يتجزأ منه. إننا أيها الناس في أمس الحاجة إلى اسبينوزا جديد، اسبينوزا يرشدنا إلى إتيقا قائمة على الفرح، إتيقا من خلالها ندرك أن لا شيء يدعو للقلق، لكن كل شيء يدعو للفهم. فهم رغباتنا في مجملها، فهم المناسب وغير المناسب، فهم أن الحياة لم تخلق من أجلنا، لكن بالعقل نجعلها كذلك، بالعقل نسخرها نحو ما يخدم سعادتنا... لنفتح عقولنا من جديد على نافذة كامو، وندرك معه أن عظمة الإنسان في قراره، أن يكون أقوى من ظروفه، لا يمكنني أيها الناس أن أكون عظيما، وأنا أشبه بريشة تأخذها كل ريح عاتية، عظمتي ترتبط بجبروتي أمام العواصف، إيمانا مني أن الفوز الحقيقي، ونغمة الانتصار لا تتحدد بالأرض المفروشة بالورود، لكن تتحدد بالأشواك التي أمر منها من حين إلى آخر... أيها الناس عودوا إلى الفلسفة، اجعلوها روتينا خاصا بكم، روتينا يغلق عليكم نوافذ إعلام الفاست نيوز، يغلق عليكم أبواب التسليع والتشييء، فلا يوجد تحقير أكبر من أن نكون سلعة قابلة للبيع والشراء، تعصف بنا كل الأسواق، ننتقل كالقطيع من سوق إلى آخر تحت تأثير ايديولوجيات بائسة، تفهم المجتمع من مفاهيم جامدة تمنع الاختلاف، وتقهر التعدد... 

إن مشاعية الفلسفة في الأوساط المجتمعية، يفيد مشاعية السؤال النقدي، يفيد أننا أمة قادرة على مساءلة ذاتها، فالأفعى هي نفسها تغير جلدها، وإن لم تفعل تموت... 

إن فعل التفلسف، غير منفصل عن الحضارة، لا تظهر الفلسفة في الأوساط السوقية، لكنها بنت المدينة، فعلت فعلتها في اليونان، في اللحظة التي كانت فيها أثينا مستعدة لسماع صوت آخر، غير صوت أساطير الأولين، تحكي أنوار أوروبا عن مونتسكيو، فولتير، كانط، وغيرهم الكثير... 

إن مصانع العمال، وحقوقهم، وساعات عاملهم اليوم، تذكرنا بكارل ماركس، فريدريك انجلز، أما حقوق الأقليات تذكرنا بحلقة فرانكفورت من جيلها الأول مع هوركهايمر، أدورنو وماركيوز إلى جيلها الرابع مع هونيت، نانسي فريزر وماركارت...  

إن الفلسفة ليست فقط رحلة عقل، بل هي رحلة تحضر، في نهاية المطاف لا تتشكل المجتمعات فقط من بنيات مادية فحسب، بل تهيكلها كذلك بنى فوقية، إذا كان للفتاة اليوم مقعد داخل المدرسة، فالفضل راجع لأولئك الذين فصلوا بين الطبيعي والثقافي، ووضحوا أن حصرها في نطاق ضيق، ليس إلا حدثا ثقافيا من صنع الإنسان، مما يفتح أفقا للتعديل... 

من يرى أن الفلسفة بعيدة عن الواقع، وأنها فقط تجريدات دون معنى، عليه أن يسائل التاريخ، ديكارت لم يبدع فقط كوجيطو، لكن صنع الحداثة وشكل ملامحها، وبفضله انتهى مسار الإنسان بالانعتاق من بائعي اللاهوت، أقصى حقيقة دينية "وجود الله"، تدرك معه بالنور الإلهي الفطري "العقل".  

لا تفي هذه المقالة المقتضبة، لتكشف عن فضل الفلسفة، لكنني سوف أختزل القول، وأقول :"الفلسفة هي الشعلة التي تضيء ظلال الجهل". صحيح أنها تفسد على الناس حفلاتهم التنكرية، صحيح أنها تعادي الأوهام، لكن رغم ذلك حقيقة تراجيدية تؤسس لمستقبل زاهر، أفضل بكثير من وهم يدعم التباث وديمومة الجهل والتخلف، ضريبة النقلة الإيجابية التي تحدثها الفلسفة، هي الرجة الوجدانية الأولى إزاء نبش الأصول وتعرية الحقائق، وإماطة اللثام عن المسكوت عنه، نحو جهر بحقيقة تزعزع القناعات، لكنها تبني واقعا أكثر نورا، إن ديكارت قضى نحبه في الظل، لكنه اليوم هو فخر لفرنسا والعالم الأوروبي، إننا رفضنا ابن رشد عندما كان ينادينا، ووضعنه ضمن دائرة الكفر، لكن اليوم نرد على من يعادينا بالجهل، أننا السابقين للفكر التنويري عبر ابن رشد نفسه وغيره من الفلاسفة المسلمين... مما يعني أننا حقا لا ندرك قيمة الفكر الفلسفي إلا بعد فوات الأوان، والمعضلة لا تتعلق بزمن الإدراك، بل تتعلق أساسا بالتمادي في الجحود... 

 

تعليقات

عدد التعليقات : 0