![]() |
| الشاعرة "هاجر سگام" |
حاورها: رشيد سبابو
في هذا الحوار الخاص لموقع هوامش ثقافية، نقترب من التجربة الشعرية للشاعرة هاجر سكام، التي خطّت حضورها بصوت شعري يتأرجح بين الألم والتأمل، وبين الغرق والشفاء. بعد ديوانين لافتين، "بلا معنى" و"لحن أفروديت"، تفتح الشاعرة قلبها وصفحات تجربتها لتتحدث عن دوافع الكتابة، وعن القصيدة كسلاح ناعم ضد الصمت والانكسار. يتناول الحوار ثيمات مركزية في شعرها، كالسؤال الفلسفي، والذات الأنثوية، ومفهوم القيمة، كما يتطرّق إلى رأيها في الشعر النسائي ودور المنصات الرقمية في كسر النخبوية. بلغة صادقة وحس وجودي عميق، تشاركنا هاجر سكام نظرتها للكتابة كرحلة تشافٍ لا تخلو من وعورة ولا من جمال، لكنها تظل مخلصة لفعل الكشف، والانتماء للحياة، والبحث عن المعنى – حتى إن كان هذا المعنى… بلا معنى.
بعد تجربتين شعريتين، "بلا معنى" و"لحن أفروديت"، هل سألت الشّاعرة هاجر سگام نفسها حول دوافعها في كتابة الشّعر؟
في البداية وقبل كل شيء، أود أن أشكركم على استضافتي في مجلتكم المحترمة التي تعنى بقضايا الأدب والفن والثقافة خاصة بين صفوف الشباب المغربي والعربي، كما أحييكم على جهودكم المبذولة في نشر الوعي والمعلومة مع تحري الصدق والأمانة في أخباركم ومنشوراتكم وسط هذا الكم المهول من الأخبار والمنشورات الزائفة والتافهة التي ترمي إلى الإلهاء والهدم أكثر من المتعة الراقية والتسلية المفيدة والبناءة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على احترامكم لزوار الموقع وقراءه. وبدوري يسعدني أن أتواصل مع جمهور هوامش المثقف والمبدع وأرجو أن تترك كلماتي أثرا طيبا في القلوب.
في الواقع، لقد كانت الكتابة دائما بالنسبة لي استجابة لحالتي الشعورية والنفسية، ورد فعل وجودي.. هي سلاح ناعم ولكنه قوي وفعال واجهت به كل التحديات والعقبات. لم يكن هدفي يوما كسب شهرة أو إثارة إعجاب بل كنت ومازلت من خلال الشعر والأدب أتشافى نفسيا وروحيا مشاركة رحلتي هاته مع من تتقاطع طريقنا الروحية معهم ومن يسلكون نفس الطريق الوعر والخلاب في آن، طريق التشافي.
التأمّل في عنوان عملك الشعري الأول "بلا معنى" يطرح علينا سؤالاً حول رسالة هذا العمل. هل هو دعوة للتشكيك في "القيمة" أو تأمل في العبثية؟
بالنسبة لي، رسالة "بلا معنى" هي رسالة تأمل مفتوحة في الذات، في الآخر، وفي الوجود بأكمله. لا أحبّذ أن أقيّد القارئ أو أوجّهه من خلال طرح رسالة واحدة منفردة أراها من زاويتي فقط، بل هي عملية فكرية مشتركة بيني وبين القراء؛ نتأمل معًا، نتساءل معًا، ونشعر معًا، دون أن نضع حدًّا أو وجهةً ما. هو تشجيع على الانفتاح والتأمل في كل الاحتمالات التي تقدمها الحياة، بما في ذلك مفاهيم كالقيمة، والتشكيك، والعبثية، إلخ...
أرفض أن يكون لكلماتي قالب معيّن، بل أسعى دائمًا إلى أن تكون كالقارب الذي يغوص بالمتلقي، ويغوص معه أعماق محيطات المشاعر والنفس والحياة، لنكتشف معًا ما تزخر به من كنوز وأسرار، وأيضًا من حطام وهياكل وغيرها. أما عن القيمة، فهي تكمن في صدق الطرح والكلمة، في التعرّي الشعوري والوجداني، وفي الأصالة. لذلك، دائمًا ما يعيش الشاعر مواجهة مستمرة مع ذاته لسبر أغوارها وكشف خباياها وحقيقتها، لأنه في عُرف الشعر، ومن محرّماته، أنه لا ينبغي عليه نقل شعور زائف أو التحايل على ذلك، حتى وإن كان عن طريق البلاغة، فذلك حكم على النص بالموت.
فيما يخص المعنى، فجميعنا كبشر نمرّ في الحياة من مراحل معيّنة قد نفقد فيها البوصلة، ونضيع بحثًا عن المعنى وبحثًا عن الذات... وما أودّ إيصاله من خلال عمل "بلا معنى" أن غياب المعنى والضياع لا يعني بالضرورة أن الرحلة بلا قيمة أو بلا هدف أو مغزى، بل على العكس تمامًا، فتلك الرحلة، وإن كانت بها مشقة، فهي أكثر ثراءً وعمقًا، وأكثر صقلًا للشخصية. وكما يُقال: "إنّ الأمواج الهادئة لا تصنع بحّارًا متمكنًا". إنها رحلة روحية بحتة تسعى للفهم، للعمق، وللتأمل. وذلك ليس متاحًا للجميع، فهناك من يفضّل البقاء على الشاطئ.
في بعض قصائدك تحضر بقوة ثنائية الألم والشفاء. كيف ترين العلاقة بين الغرق كرمز للانكسار والانتفاض كفعل إبداعي؟
كما ذكرتُ سابقاً، الفعل الإبداعي هو استجابة عفوية وضرورية لمواجهة الحياة، يتعدى كونه أداة تعبير ووسيلة نجاة، بل هو أيضاً قنطرة عبور لحيوات متعددة، سيرورة موت وحياة وولادة وتجدد. لذلك، كان الغرق في قصائدي ثيمة لا تُحيل على موت أو نهاية، بل كان بوابة نحو عوالم أخرى وبدايات لا نهائية. فحتى الموت بحد ذاته لا يناقض الحياة، بل هو حياة في وجهها المكتمل.
أحيانًا قصائدك تلبسُ لباس السُّؤال الفلسفيّ، وأخصّ بالذّكر هنا قصيدة "من وحي السؤال"، حيث تتساءلين عن كثير من الثوابت (الهوية، الجسد، الأحلام…). ما دور السؤال الشعريّ الفلسفيّ في تجربتك؟
السؤال هو جوهر الإنسان وميزته، الشيء الذي يجعله مخوّلاً لأن يكون خليفة الله في أرضه وأعظم مخلوقاته، بسبب تركيبته المعقدة والفريدة، وقدرته على التساؤل، التشكيك، والاختيار. في قصائدي، حضر السؤال بشكل مكثّف، غير أن أسئلتي لا تبحث عن إجابات، بل هي تشجيع على ممارسة حق طبيعي، ووسيلة توجيه للروح والفكر. أحياناً، قد يكون السؤال بمثابة موجّه روحي منحه الله لنا، ولكن قد لا يجرؤ البعض على استخدامه والاستعانة به.
هل هناك تجربة أو مرحلة حياتية معيّنة استطعتِ من خلالها بلورة هويتك الشعرية؟
نعم، لقد كانت مراهقتي هي المرحلة التي ظهرت فيها براعم هويتي الشاعرة، ولكنها لم تتبلور وتزهر بغزارة إلا لاحقاً في شبابي، وكان لبعض الصداقات والتجارب والظروف دور مهم في خروجي العلني على المواقع، وأنا ممتنة لذلك.
على اعتبار أن القارئ هو من يشكّل آخر خطوة في عمليّة اكتمال النصّ. إلى أي مدى يلعب القارئ دوراً في إكمال معنى النصّ أو تفكيكه؟
القارئ ليس مهماً لاكتمال النص على الإطلاق. النص يكون مكتملاً فور خروجه من المحسوس إلى الملموس، من الفكرة إلى الورق... فالصوت لا يحتاج دائماً إلى الكلام، والنظر لا يحتاج دائماً لعيون مفتوحة، كذلك النص لا يحتاج دائماً لقارئ، لا سيما إن وقع النص في أيادي القارئ الخطأ... نعم، فلكل كاتب قارئ يشبهه، ولكل قارئ كاتب يناسبه ويخاطب روحه. وقرّائي، أعتقد أننا نتحدث نفس لغة المشاعر، ونميل لحب الحب والحياة، وفضوليون جداً، نعشق القصص التي تسردها العيون. لذا، أعتبر قرّائي أصدقاء أوفياء جداً، لذلك لا أخشى في رحلتي الإبداعية ارتكاب الأخطاء والهفوات، فأنا أتعلم وأتطور معهم.
كيف ترين مكانة الشعر الحديث في المشهد الثقافي العربي والمغربي اليوم؟
أرى أن الشعر الحديث بالمغرب يسير على درب الحرية والتجديد الدائم والمستمر، وأنا متفائلة جداً، على الرغم من غياب الدعم الكافي وتأطير المواهب، غير أنني ألاحظ أن الشباب المبدع لم يعد ينتظر الفرص، بل بات يخلقها، وهناك اهتمام متصاعد وهادئ بالكتابة الإبداعية والقراءة، رغم أن بعض التجارب قد تبدو خجولة أو في بدايتها، ولكن النجاح هو فعل تراكمي ولا يحدث دفعة واحدة.
كيف تقيّمين كشاعرة وكاتبة دور المنصات الرقمية في نشر قصائدك والتواصل مع القرّاء مقارنةً بالأشكال التقليدية المطبوعة؟
أرى أن المنصات الرقمية ساهمت في إخراج النشر من كونه عملاً نخبوياً خاصاً بفئة معينة، إلى نطاق أوسع يشمل جميع الكتّاب والموهوبين ومحبي الكتابة، دون النظر إلى مناصبهم أو مكانتهم الاجتماعية. ولكن، أيضاً في بعض الأحيان، دون الالتفات حتى لمدى جاهزيتهم للنشر وقدرتهم على التعبير. ولكن هذا أمر لا يخص حصراً المنصات الرقمية، بل نجد أيضاً المكتبات تزخر بالعناوين التي تخلو من جودة المحتوى...
ما توفره المنصات الرقمية من خدمات وسهولة رفع وتحميل المحتوى الأدبي دون مقابل مادي، هو أمر جد مشجّع، خاصةً للكتّاب الذين لا يزالون في بداية المشوار. وبهذا، يكون قد تفوّق النشر الرقمي على النشر التقليدي. وهنا أتحدث من وجهة نظر الكاتب الذي يلعب دور الناشر أيضاً والموزع، ويعمل لوحده عمل فريق... ومن هذا المنبر، أحيّي جميع الكتّاب العصاميين الذين فرضوا وجودهم الأدبي دون دعم مؤسساتي، أعرف مشقة ذلك، وهذا أمر لن يقوم به إلا من يجري عشق الكتابة في عروقه. أما الكتاب الورقي، فيبقى حلم وطموح كل كاتب، وذلك لنكهته الخاصة ومكانته وقيمته الرفيعة كغذاء للحواس، وأفضل رفيق للإنسان.
تجربتي في النشر الرقمي، يمكنني القول إنها تجربة جد رائعة وتخلو من المشقات الكبيرة. فقد حاولت في البداية نشر "بلا معنى" ورقياً، ولكن في كل مرة كنت أتواصل فيها مع دور النشر، كنت أشعر أن التعامل تجاري أكثر من كونه ثقافياً وأدبياً، ولم يرقني ذلك، كما وجدت أن النشر الورقي الذاتي يستنزف جهداً كبيراً، مادياً ومعنوياً. لذا، وجدت أن أنسب طريق أوصل به صوتي وأتواصل به مع القرّاء هو النشر الإلكتروني، وأنا فخورة جداً بنشر كتابي "بلا معنى"، و"لحن أفروديت"، وقريباً جداً "حديث الزمرد" عبر منصات مختلفة على مكتبات إلكترونية محترمة. وأنا جد ممتنة على التشجيعات التي أتلقاها من كتّاب أصدقاء وقرّاء، ذلك ما يحفّزني دائماً على الاستمرار والعطاء.
برأيك، وبما أنّك شاعرة، كيف يجب على الشعر النسائي أن يتناول قضايا المرأة (الهوية، الحرية، الجسد، العنف…) وتوظيفها من أجل تعزيز مكانة المرأة في المجتمع المغربي والعربي؟
على الشعر النسائي أن لا يكون خجولاً، وأن يتحلّى بالشجاعة والصدق في طرح المواضيع التي تمسّنا بعمق، وإن كانت مزعجة للبعض. علينا أن نضع دائماً نصب أعيننا جميع النساء اللواتي يعانين في صمت، علينا أن نكون نحن صوتهن وصوت الحق، وأننا كشاعرات لا نطالب بحقوق المرأة فحسب، بل نمارس حقوق المرأة بالتعبير والإبداع دون خوف أو حرج. على الشعر النسائي أن يطغى بعدل ويسود بحب. فالمطالبة بحقوق المرأة لا يعني هضم حقوق الرجال، ولا يعني فتح جبهة حروب بين الجنسين، كما يُروّج له في بعض المواقع، بل بالأحرى السير جنباً إلى جنب لبناء أسر وأفراد ومجتمعات راقية وسليمة.
ما النصيحة التي تقدّمينها للشاعرات الناشئات اللواتي يجدْن صعوبة في اكتشاف صوتهن الشعري الخاص؟
أقول لكل فتاة تحب الكتابة، ولكنها لم تجد صوتها بعد: أن تستمر في الكتابة، وأن تشارك قصائدها مع القراء، حتى وإن لم تكن تبدو بتلك الروعة أو المثالية، وأن لا تركض خلف هوس اللايكات أو الشهرة السريعة، بل أن تركز على ذاتها ومشاعرها ولغتها وأسلوبها، وأن تكتب بحرية وتطلق العنان لقلمها، وأن تسمع فقط للنقد البنّاء الذي لا يسعى لإحباطها أو كسر ثقتها في نفسها. الكتابة، عزيزتي، متاحة للجميع وليست حكراً على أحد، وإن كان ذلك شغفك، أشجّعك على الاستمرار بالممارسة، لأنها السبيل الوحيد الذي يصقل موهبتك، ويساعدك على اكتشاف صوتك الداخلي دون أي تأثير خارجي. ثقي بنفسك وكوني دائماً محاطة بمن يؤمنون بك.


