"غوانتيندوف".. الرواية الموؤودة! - رشيد سبابو

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 




في زمن تعيد فيه الأمم الاعتبار لذاكرتها، وتمضي فيه المجتمعات نحو تصفية حساباتها مع ماضيها المؤلم بشجاعة أدبية وفنية، يفاجئنا المشهد الثقافي المغربي بمنعٍ غير معلن لرواية “غوانتيندوف” للكاتبة نعيمة فنو. رواية استوفت شروط النشر، لكن لم تُمنح رقم الإيداع القانوني، ما يعني باختصار: "لن تُنشر".

ما الذي يُخيف من رواية تقول ما لم يُقَل؟ أهو العنوان؟ أم الظلال الثقيلة التي يلقيها على واقع لا يريد البعض أن يُروى؟

الكاتبة لم تصرخ، لم تتهم، لم تحرض. بل كتبت عملاً أدبياً يحاول – من موقع فني وإنساني – إنعاش ذاكرة منسية لجنود مغاربة عانوا في معتقلات تيندوف. الذاكرة، تلك التي لطالما طالبنا ببعثها من الرماد، لمّا تحاول أن تنهض من داخل صفحات رواية، تُقابل بالصمت البارد، والتجاهل، والإقصاء الإداري.

إن ما جرى ليس مجرد رفض تقني لرقم إيداع. إنه إنذار واضح لكل كاتب يظن أن الحبر لا يزال حراً. إنه رسالة فادحة تقول إن الرواية قد تُمنع فقط لأن عنوانها يوحي بما لا يعجب. لقد أصبحنا أمام شكل محدث من الرقابة: رقابة خرساء، لا تبرر قراراتها ولا تتحمل مسؤولية الرفض، بل تختبئ خلف جدران المؤسسات وتترك الكاتب يواجه العدم.

ويأتي هذا في وقت يتحضّر فيه المغرب للاحتفاء بالرباط عاصمةً عالمية للكتاب. كيف نحتفي بالكتاب، فيما نمنع الكتب من أن تولد؟ كيف نطلب من الكُتاب أن يسهموا في إشعاع ثقافي، بينما نضعهم أمام أبواب مغلقة ومراسلات لا يُردّ عليها؟

الرواية ليست بياناً سياسياً، ولا منشوراً دعائياً. إنها محاولة للقبض على المعنى وسط الفوضى، ولإضفاء حساسية إنسانية على ما يعتبره البعض ملفاً من الماضي. وإن كان هناك من تحفظ على مضمونها، فليكن النقاش علنياً، مفتوحاً، لا أن يُقصى العمل بصمت، وكأن لا مؤلفة كتبته، ولا دار نشر احتضنته، ولا قراء كانوا ينتظرونه.

إن الدفاع عن نعيمة فنو ليس فقط دفاعاً عن كاتبة صادقة، بل دفاع عن حق كل كاتب في أن يحلم، وأن يروي، وأن يضع الألم في قالب جمالي لا يُصادر. فحرية التعبير ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تضمن للثقافة أن تبقى حية، وللمجتمع أن يتنفس.

تعليقات

عدد التعليقات : 0