في السابق، كان التأليف ونشر كتاب أمرًا عظيمًا؛ أن ينتمي عملك لرفوف مكتبات ممتلئة حتى آخرها، أن يقرأ لك غريبٌ في مدينة غريبة لا يعرف عنك إلا اسمك أعلى أو أسفل الغلاف، ينبهر بتصميمه وتستوقفه النبذة الخلفية. حين قابلتني هذه الدهشة بعد نشر كتابي الأول، بدا الأمر سحريًا، شيئًا يصادف المرء مرة في الحياة.
ومع مرور الوقت، بدأت أتغلغل في الساحة الأدبية؛ ألتقي مزيفين كُثُر، وأصدقاء قلائل، وحشودًا من الموهوبين الذين لا يُعيرون أقلامهم اهتمامًا، وآخرين تغلبت شجاعتهم على موهبتهم. نصوصٌ تتناثر على جدران الفايسبوك، وسطورٌ تُنشر على “ستوريات” الإنستغرام، تحصد إعجابات هذا المجتمع الصغير. لكن، ليس كل من يُبدع بالحروف يتذوق لذة النشر، لذة هذا الترف.. الأدبي.
ترفٌ، ظننته معنويًا بالدرجة الأولى؛ فهو أرقى مراتب الفنون، لاسيما أنني كتبتُ الشعر، هذا الصنف المكثف والعميق، والذي أراه أسمى مراتب الأدب. ومع ذلك، بدأت أدرك بعد نشر عملي الأول، وتوزيعه على بعض المكتبات، وجني بعض الدراهم من ورائه، أن النشر بات ترفًا ماديًا أكثر من كونه معنويًا.
دور النشر تطلب أثمنة خيالية لنشر عمل واحد وتوزيعه محليًا فقط. لقد أصبح النشر اليوم حكرًا على من يملك المال الكافي، والحروف الكافية، دون أن تبالي هذه الدور بجودة الأعمال. يكفي أن تُضيف جرعة من التسويق، وغلافًا مثيرًا، لتترك السوق الثقافي يُكمل المهمة. فَعقول القراء الجدد لم تعد تقرأ شعرًا عميقًا أو تتجرأ على الغوص في دهاليز دوستويفسكي.
