دعاء سلام.. الكتابة رحلة لا تنتهي، وأسلوب حياة ينسج منه الإنسان قصته

هوامش ثقافية
المؤلف هوامش ثقافية
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

الكاتبة "دعاء سلام"


حاورها: رشيد سبابو.

في هذا الحوار مع الكاتبة المغربية الشابة دعاء سلام، التي تُعرف بلقب "الغجرية"، نقترب من صوت أدبي وجداني، يكتب من الداخل ومن الأعماق، حيث تتداخل الأسئلة الكبرى حول الزمن، الهوية، الذاكرة، والكسور الخفية.
دعاء، التي بدأت الكتابة في سن المراهقة، لا تقدّم نفسها ككاتبة محصورة في قوالب جاهزة، بل كروح حرة تتنقّل بين الانكسار والشفاء، بين القسوة والنجاة، وتؤمن بأن الكتابة ليست مجرّد تمرين لغوي، بل مقاومة صامتة، وبوحٌ عميق، وملاذ داخلي.

من خلال حديثها مع هوامش ثقافية، تتحدث عن علاقتها المتشابكة مع الزمن، عن سرّ تسميتها بالغجرية، عن وجدانية نصوصها، ومكانتها وسط المشهد الأدبي الشاب في المغرب. حوار يشبه رحلة داخل الذات الكاتبة، واحتفاء بجيل جديد يكتب لأن الكتابة ضرورة وليست ترفا.


 بداية كيف تقدّم دعاء سلام نفسها للقراء؟

دعاء سلام، كاتبة مغربية في ربيع عمرها العشرين، ذات لقب "الغجرية بنت الألحان"، لقب لم يأتِ من فراغ، لما يحمله من معانٍ وتوافق روحي مع كل كلمة خطّت بها أناملي.

منذ الرشفة الأولى لكأس الأدب، أحببتُ طَعم الكتابة وأنا في سنّ المراهقة. لم أقتصر فقط على تحليل النصوص اللغوية التابعة للمنهج الدراسي، بل واصلت ما وراء الستار، واكتشفت المزيد، إلى أن اقتنعت أن الكتابة هي ميداني وموهبتي بعد الموسيقى.

كانت بداياتي على صفحة Books Addicted، وصفحاتي الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي.

شرعتُ بنشر أفكاري المتناغمة شيئًا فشيئًا على شكل كتابات قصيرة في غُضون أسطر معدودة، عن مقولات فلسفية، سياسية، وحتى نفسية، تخصّ محيطي وما وراءه. من خلالها، أتقنتُ مهارات التفسير والتحليل والنقد.

لم يتوقف هذا الشغف هنا، بل واصلتُ المسيرة شيئًا فشيئًا. أصبحتُ أكتب دون توقف، تارةً حبًّا في الكتابة، وتارةً انكسارًا وشجنًا على بعض التفاصيل، مما جعل من الكتابة بلسمًا لتلك الجراح وملجئي الوحيد الذي أهرب إليه كلما أحسستُ بالقسوة، مما أعطى لكتاباتي نغمًا خاصًّا بي، لا يملكه إلا المتمكنون من الحبر، واللغة، والتعبير.

أكملتُ مسيرتي في النشر، وكانت تشجيعات أصدقائي والمقرّبين لمسة وأثرًا كبيرًا على كتاباتي؛ إذ انتقلتُ بعدها من فتاة تكتب ما قلّ ودلّ بمعانٍ عظيمة، إلى فتاة يُنتظر أن تُنشر كتاباتها على صفحة كتّاب مغاربة، التي منحتني المزيد من فرص التألق، وقدّمت لي الدعم الكافي لعدم الاستسلام.

كانت ولا تزال نصوصي الأدبية أرستقراطية المضمون، نبيلة الكلمات، التي كلّما قرأها أحد ما، لا يكترث للفهم بقدر ما يُعجب بالأسلوب والسرد. لأن كتاباتي لا تزال، ولطالما كانت، مثيرة بشكل يجعلها ليست مفهومة من طرف جميع القرّاء العابرين، بل فقط لمن يملك حقًّا حسًّا فنيًّا في القراءة.

في المستقبل القريب، سأقوم بنشر كتابي الخاص تحت عنوان "الغجرية"، كتاب يجمع بين الفن والموهبة، وبين الرقي والحرية، لما سيحمله من تفاصيل لا شك أنها ستكون فريدة من نوعها، بأسلوب أنيق غير دارج.

سأكون، هكذا، قد قدّمت نفسي، وأعطيتُ ما يكفي لأُعبّر عمّن أكون.

 

 كيف تصفين علاقتك بالكتابة؟ هل هي ملاذ، مقاومة، أم مجرد بوح؟

علاقتي بالكتابة هي علاقة مبنية على الثلاثة في آن واحد: الملاذ، المقاومة، والبوح!
لماذا أعتبرها ملاذًا؟
أولًا، كما سبق وأن قلت، كانت ملجئي الوحيد كلما أحسست بالقسوة، وهذا شيء طبيعي، لأن كل شخص يختار أين يفرغ طاقته السلبية وأين يتجه إذا أحسّ بثقل ما. لكن وصفي للملجأ سيقتصر على شعور واحد، وهو الأمان، لأن ببساطة، وعامةً، تكون المضاجع والملاجئ أماكنَ، لكن فيما يخص الشغف، تكون تلك الأماكن عبارة عن أحاسيس تسكن القلب وتهدئه، تمامًا كما كانت تفعل بي الكتابة.

لماذا أعتبرها مقاومة؟
لأنني قاومت من خلالها الإحباط، والطرق التي سلكتها وخانتني في المنتصف، والأحبة الذين غادروا باكرًا دون سابق إنذار، سواء بسبب القدر الذي لا يرحم، أو بسبب انتهاء الوقت وتوقف عقارب الساعة.
قاومت بالكتابة نفسي من نفسي، وعقلي من قلبي، أو العكس. كانت درعي في تلقي الصدمات، وسيفي في مواجهة القدر الذي أرفض أن يكون واقعًا لي.

لماذا أعتبرها بوحًا؟
لأن حقيقتها هي البوح!
الكتابة واقع يُترجم على شكل أحرف فوق ورقة بيضاء تستسلم أمام حبرنا حتى تتزركش بالكامل.
دون البوح لما كان الشغف، دون البوح لما كانت هناك موهبة، ودون البوح لعلّقت أجسادنا عاليًا وتخلّت أرواحنا عن العيش منذ الانقباضة الأولى في صدرنا.

 

ما المواضيع أو القضايا التي تستحوذ على كتاباتك؟ ولماذا تشغل بالكِ؟

لا أملك مواضيع معينة تستحوذ على كتاباتي، بقدر ما أملك أسلوبًا خاصًّا وحرًّا. أكتب ما يجول بداخلي، ما تراه عيني، ما يشعر به قلبي، وما لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات.

لماذا أنا "الغجرية"؟
لأن الغجر أحرار. يذهبون أينما يشاؤون، يحلّقون بعيدًا دون أن يخضعوا للطبيعة، لا يكترثون لأحد، يفعلون ما يحلو لهملم تكن الماديات ولا المبيت معيقًا لهم، يتبعون قلبهم وروحهم، ثم يعيشون كما يريدون. كذلك أنا. ربما أكون مقيدة الجسد، لكنني لم أكن يومًا مقيدة الروح. القلم والشغف يأخذانني. مخيلتي تسافر بي أينما أردت. أعيش في الأوطان التي أنتمي إليها دون تأشيرة سفر مادية، فقط بالروح. أذهب أينما أريد، أمتطي شغفي، وأحلق بعدها بعيدًا جدًا، وقريبًا جدًا، حسب الشوق والحب. لذلك لن أملك مواضيع معينة، ولن أكون محصورة في شيء واحد يشغل بالي طول الوقت، بقدر ما تشغلني كل الأشياء.

 

في كتابتك نبرة وجدانية قوية، وتأملات عميقة حول الولادة، الزمن، والعالم الداخلي. متى بدأتِ تشعرين بأن الكتابة صارت ضرورة، لا مجرد تمرين لغوي أو هواية؟

أصبتَ الملاحظة، وهذا حقًا ما أريده دائمًا أن يكون واضحًا. وهذا هو الانطباع الذي أطمح إليه أن يبقى في ذهن القارئ بعد انتهاءه من قراءة نصوصي. وجدانيتي لم تأتِ من فراغ، بل هي قادمة من أعماقي، تشكلت من جميع الكسور التي بداخلي، حتى سطع نورها على أوراقي البيضاء المتناثرة على سطح غرفتي بعد الثانية عشرة ليلًا من كل يوم، حينما يغط العالم في سباته وأبقى لوحدي مع السكون والتأمل العميق في تفاصيلي أولًا، ثم تفاصيل محيطي.

لطالما كانت تأملاتي عميقة حول الولادة، الزمن، والعالم الداخلي.
السابع من سبتمبر كان عنوانًا لحياتي قبل أن يكون عنوانًا لإحدى كتاباتي اللافتة. فهو يوم ولادتي، زمن مجيئي إلى هذا العالم. من خلاله بدأ كل شيء. حينما يأتي في كل مرة من السنة، يمنحني فرصة المحاولة من جديد في فصول الحياة القادمة، سواء لكي أنسى، أو أتذكر وأمضي. الزمن لا جدال فيه حينما نكتب عنه. فما أهمية الكتابات إن لم تكن محصورة في زمنٍ مُعاش؟ في وجهة نظري، وبعد كل ما ذكرته سابقًا، أعتقد أن الزمن كان السبب الأول وراء هذا الشغف. لا أملك ما أقول بخصوصه!

كما لو أنك سألت: لماذا السماء زرقاء؟ أو لماذا خُلقنا هكذا؟ الزمن، في علاقته بالكتابة، يُعدّ من مُسلّماتها. العالم الداخلي ليس مكانًا نلجأ إليه، بل هو ساحة معركة لا تنتهي.
لا أحد يدخلها معنا، لا أحد يسمع الضجيج الذي يدور هناك، لا أحد يشعر بالثقل الذي نحمله في صمت. في هذا العالم، لا توجد ساعات ولا شمس، فقط توقيت خاص بالألم، ومواسم لا تتغيّر، وليلٌ طويل لا ينكسر بسهولة. هناك نعيش لحظات خذلنا فيها أنفسنا، ونسخًا قديمة منّا لم نستطع دفنها، لكنها تواصل الظهور كلما أغمضنا أعيننا. العالم الداخلي مليء بالمحادثات التي لم تحدث، والردود التي تمنينا قولها، والصراخ الذي خنقناه كي لا يبدو ضعفًا. إنه أرشيف دقيق لكل لحظة اخترنا فيها الصمت، وكل مرة سمحنا للعالم بأن يمر فوقنا دون مقاومة.

 

استوقفتني في إحدى نصوصك هذه الجملة: "لطالما كنت الخصم المهزوم أو المغادر".  هل تكتبين من موقع المجروح دوماً؟ وهل تكتبين لتجاوز الجرح أم لتوثيقه؟

"لطالما كنتُ الخصم المهزوم أو المغادر!" جملة كما استوقفت القراء، لا تزال تستوقفني إلى الآن. ليس لأنها كُتبت بشكل يثير النظر، بل لأنها اعتراف. اعتراف قادم من القلب صوب الحبر مباشرة. نعم، لطالما كنتُ الخصم المهزوم أو المغادر. لم أكن أريد هذا، ليتني أستطيع تغييره إلى: "لطالما كنتُ الخصم المهزوم والباقي"، أو "الخصم المنتصر والمغادر" .لكن شاءت الأقدار أن تكون الجملة مركّبة من الكلمتين: "المهزوم" و"المغادر".
لا أكتب دائمًا من منظور توثيق الجرح، بل فقط أعترف. لأن القلم، بقدر ما كان أنيسي، كان سلطانًا قاضيًا يجبرني على الاعتراف فوق الورق حتى أتجاوز. لا تُشكّل هذه الجملة حياتي، فإذا أطال الله في عمري ستكون مرحلة مررتُ بها وتجاوزتها، أو ربما سأنساها.
أما إذا توقفت حياتي في العشرين، فستكون هي الجزء الأكبر.

 

من يشكّل مرجعًا أو مصدر إلهام في كتابات دعاء سلام؟

ما يشكل مرجعًا في كتاباتي هو نفسي. لا أستطيع الإطالة والتفسير كما فعلتُ سابقًا، لأن مرجعنا الأصلي هو الشغف، وشغفنا نابع من الروح، والروح أصلها كياننا... ألا وهو: نفسنا.


في أغلب نصوصك يبدو أن هناك علاقة غريبة مع الزمن: غير خطي، غير واضح، غير ثابت. هل تتعمدين تشويش الزمن في النصوص؟ ولماذا؟

بصراحة، لم أكن أتعمد تشويش الزمن في نصوصي، ولم أكن حتى واعية بذلك بشكل كامل. لكن حين أفكر في الأمر الآن، أظن أن الزمن في داخلي لا يسير بطريقة مستقيمة أو واضحة، لذلك يظهر في كتابتي بهذا الشكل المتشابك أو غير الخطي. أنا لا أعيش الزمن كما تقيسه الساعة، بل كما أشعر به. هناك لحظات من الماضي ما زالت تعيش داخلي، وهناك مشاعر مستقبلية أعيشها مسبقًا، وكأن الزمن عندي ليس تواليًا بل تداخُلًا. لذلك، حين أكتب، لا أرتّب الأحداث زمنيًا، بل أرتبها شعوريًا. تشويش الزمن لم يكن قرارًا واعيًا، بل هو انعكاس لطريقة إدراكي للحياة. أنا أكتب كما أشعر، لا كما "يجب أن يكون". والزمن، في هذه الحالة، يصبح شيئًا داخليًا، لا خارجيًا.

 

ما رأيكِ في المشهد الأدبي الشاب في المغرب اليوم؟ وهل تتابعين تجارب أخرى؟

صراحة، أجد أن المشهد الأدبي الشاب في المغرب يشهد حركية مميزة في السنوات الأخيرة، وكأن هناك موجة جديدة من الأصوات التي لا تكتب فقط من أجل الأدب، بل من أجل طرح الأسئلة، كسر الصور النمطية، والبحث عن ذاتها في مجتمع معقد وسريع التحوّل. ما يلفتني شخصيًا هو هذا التنوّع، سواء من حيث اللغة (العربية، الفرنسية، الإنجليزية)، أو من حيث الشكل: رواية، شعر، قصة، حتى فنون سردية بصرية مثل الرواية المصورة. هناك نوع من الجرأة في تناول المواضيع، ووعي متزايد بالقضايا المعاصرة: الهوية، النسوية، الاغتراب، وحتى التحولات النفسية العميقة.

أما عن المتابعة، فنعم، أتابع بعض التجارب الشابة باهتمام، ليس فقط بدافع الإعجاب،
بل لأنني أجد في بعضها ما يُشبهني، ما يلامس أسئلتي، أو يعكس حالات شعورية عشتها أو فكّرت فيها يومًا. أحب أن أرى كيف يعبّر الآخرون عن قلقهم الوجودي، عن علاقتهم بالمكان واللغة والجسد، وكيف يترجمون هشاشتهم إلى مادة أدبية. 
أظن أن هذا المشهد لا يزال في طور التشكّل، لكنه يحمل بذورًا واعدة جدًا، ومتى نضج أكثر، وتوفّرت له منصات وفضاءات فعلية للنشر والتداول، يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في صورة الأدب المغربي المعاصر، داخليًا وخارجيًا.


تعليقات

عدد التعليقات : 0