كثيرًا ما نسمع مجموعة من الخطابَات الّتي تطالب الفن بأن يحمل
رسالة أو هدفاً واضحاً، ويكون وسيلة للتّعليم أو النقد الاجتماعي أو التوعية السياسية.
لكنّني أتساءل: هل من الضروري حقاً أن يكون الفن هادفاً؟
الفنُّ في جوهره تعبيرٌ إنسانيّ، انعكاس للإبداع والخيال والمَهارة.
يمكن أن تكون القيمة الجَمالية وحدَها سبباً كافياً لوجود عملٍ فنّي. عندما نتأمل لوحة
أو نستمع إلى مقطوعة موسيقيّة، قد لا نبحثُ دائماً عن معنًى عميق أو رسَالة، بل نستمتِع
بالألوان والأصوات والأشكَال لذَاتها. إنّه، في اعتقَادي، علينَا أن نتوجّه إلى
الفنّ كغَاية في ذاتِه وليس كوسِيلَة بالضّرورة.
كمَا أنّ إلزام الفنّانين بتقديم أعمَال "هادفة" يضعُ
الكثِير من القُيود على إبداعَاتِهم ويحدُّ من حُريتِهم في التّعبير. وقد يُؤدّي هذا
التّقييد إلى إنتاج أعمَال مُتكَلّفَة أو مُفتَعلَة، تفتقرُ إلى الصّدق والعَفويّة.
عندمَا يتَحرّر الفنّان من ضَغط تقديم رسَالة مُحدّدة، يُمكنُه استكشَاف آفاقٍ جديدة
من التَّعبيرِ والابتكَار.
إنّ التّفاعل مع الفن تجربَة
شخصيّة بالأسَاس. ما يجدهُ شخصٌ ما عديمَ المعنَى قد يكونُ عميقَ الدّلالة والأثَر
بالنّسبة لآخر. فرضُ فكرَة أن الفنّ يجب أن يكُون هادفاً بالضّرُورة يتجاهلُ الطّبيعة
الذّاتية للتّجربة الجَماليَة، ويفتَرضُ وجُود مَعايير مَوضُوعيّة للقِيمة الفَنيّة.
فِي أحيَان كثيرَة تكمنُ قيمَة الفنّ في قُدرته على مَنحنَا
لحظاتٍ من المُتعة الخالصَة، أو مسَاحَة للهُروب من ضُغوط الحَياة اليوميّة. السّينما،
التّرفيه، المُوسيقى، الرّوايَة، هذه
أشيَاءٌ ليسَت أقلّ قيمَةً لمُجرّد أنّها لا تَسعى إلى تَغييرِ العَالم أو طرح قَضَايا
عَميقَة وفلسَفيّة.
الفنُّ في نهايَة المطَاف، مساحة للحُريّة والإبدَاع والتّعبير
عن الذّات. فرضُ شرط "الهَدف" على كل عملٍ فنّي يحُدُّ من هذِه الحُريّة
ويختَزلُ الفنّ إلى مُجرّد وسيلَة بدلاً من أن يكون غايَةً بحدّ ذَاتِه. دعُونا نتقبّل
أن الفنَّ يُمكنُ أن يكُون جَميلاً ومُؤثّراً ومُهماً، حتّى لو لم يكُن يحملُ رسالةً
واضِحة أو هَدفاً مُحدّداً.
الجَمال لذَاتِه، التَّعبيرُ لذَاته، الإبداعُ لذَاته، كُلُّها
أسبابٌ كافِيةٌ لوجُود الفنّ، دُون الحَاجَة إلى تَبريراتٍ أُخرَى. رُبّما تكمُنُ عظَمةُ
الفنّ الحقيقيّة في قُدرتِه على التَحرُّرِ من القُيود، بما فيهَا قيدُ الهَدفِ نَفسُه.
رشيد سبابو- مدير التّحرير.
هوامش ثقافية.
